\آراء ومقالات\المكتبة المقروءة

الوطنية من منظور إسلامي

الوطنية من منظور إسلامي
almohaimeed.net/index-ar-show-192.html

الوطنية من منظور إسلامي
مشاهدات : 1065

الاثنين 05 ذو القعدة 1437 هـ - الاثنين 8 أغسطس 2016 م

بسم الله الرحمن الرحيم

الوطنية من منظور إسلامي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله  وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن مما لا يختلف فيه الناس، عربهم وعجمهم، مسلمهم وكافرهم، أن حب الوطن غريزة فطرية جُبلت في النفوس وغرست في القلوب.

فالمتأصل عند الإنسان عشقه لوطنه، وتشبثه بالبقاء فيه والعيش بين جنباته، وعدم رغبته في مفارقته، وإن قدر له الخروج منه فإنه لايكاد ينقطع حنينه إليه. لا يقبل من أحد أن ينتقصه بلفظه فضلًا عن أن يعتدي عليه بفعله .. وعلى هذا تواطئت الأمم، يقول الأصمعي: (قالت الهند: ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوانات، الإبل تحن إلى أوطانها، وإن كان عهدها بها بعيدًا، والطير إلى وكره، وإن كان موضعه مجدبًا، والإنسان إلى وطنه، وإن كان غيره أكثر نفعًا).

وقيل لأعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان.

قيل: فما الذلة؟ قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان.

ويقول الشاعر:

 كم منزل في الأرض يألفه الفتى                   وحنينه أبدًا لأول منزل                           

وأصدق منها قوله تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم. لاحظ قرن بين حب الديار، وحب النفس، مما يدل على أن كلا منهما متأصل في نفس الإنسان عزيز عليه.

إن حب الوطن ليس عيبًا ولا يتنافي مع الدين؛ بل ربما يكون من الدين إذا استحق الوطن ذلك وخلصت النية، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة، أوضع ناقته -أي أسرع بها- وإذا كانت دابة حركها من حبها»رواه البخاري -رحمه الله تعالى- قال ابن حجر -رحمه الله تعالى– وغيره: (فيه دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن، والحنين إليه).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لمكة: «ما أطيبك من بلد، وما أحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك»رواه الترمذي وغيره، وصححه الألباني –رحمهم الله تعالى- ولما تحتم عليه البقاء في المدينة ومفارقة وطنه كان من دعائه –صلى الله عليه وسلم-: «اللهم حبب إلينا المدينة، كحبنا مكة، أو أشد»أخرجه البخاري – رحمه الله تعالى- .

ولئن كانت مقولة: ( حب الوطن من الإيمان ) لا تصح حديثًا؛ فإن ذلك لا يعني أن الإسلام لم يُعن بالوطن ولم يُعر الوطنية أي اهتمام كلا، بل إن جلّ تعاليمه إنما جاءت منصبة في هذا الجانب؛ أعني الوطنية؛ لكن بالمفهوم الصحيح المفهوم المنتج المثمر المفيد، لا بالمفهوم الماكر أو الساذج أو الجاهل الذي اختزل الوطنية في شعارات ورموز جوفاء خاوية في إنشودة أو نغمة أو صورة .. أو غيرها مما لا يمت إلى الإسلام ولا العروبة بصلة، شعارات ورموز ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب جُعلت معاقد للولاء والبراء، من رد شيئًا منها ولو لمانع شرعي فكأنما ارتكب ناقضًا من نواقض الوطنية، أصحابها الماكرون –دعك من السذج أو الجاهلين– أسرع الناس تنكرًا لأوطانهم وأكثرهم ولاء للغرباء والأعداء.

شعارات ورموز جُربت في أوطان كثيرة وأثبت التاريخ والواقع فشلها في تحقيق الوطنية الصادقة، لا تجمع صفًا، ولا توحد كلمة، ولا تنمي ولاء، لا للوطن ولا لقيادته، ومن نظر إلى العراق كمثال حي كيف حاله؟ تبين له بجلاء القيمة التافهة لتلك الشعارات السخيفة، فماذا أغنت عنه تلك الشعارات، وتلك الأهازيج ،أو تلك الصور والتماثيل التي كانت تعجّ بها ميادينه وشوارعه، هل وحدت الناس فيه لصد العدوان عنه؟، هل جمعت فرقته بعد تمزيقه؟، هل أعادت له قيادته بعد سقوطها ؟!! إن هذه الشعارات إنما جلبت لبلاد المسلمين من أجل اتخاذها سهامًا لتمزيق وحدتها وقتل الفضائل فيها، ذلك لأن مروجيها يعلمون موقف أهل الغيرة على الدين منها ؛ لمناقضة كثير منها لتعاليمه، فأرادوا إسقاطهم بحجة عدم الولاء للوطن زورًا وبهتانًا؛ ومن ثم يخلو لهم الجو لتحقيق مآربهم الخبيثة ..

إن الوطنية بالمفهوم الصحيح المنتج المثمر إنما تعني توحيد الصف واجتماع الكلمة وقد أمر الإسلام بذلك، كما تعني السمع والطاعة لولاة الأمر في المنشط والمكره والعسر واليسر، وقد قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾، وعن عبادة بن الصامت –رضي الله عنه- قال: «دعانا النبي -صلى الله عليه وسلم- فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا علي السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا، ويسرنا، وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروْا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان».  أخرجه البخاري –رحمه الله تعالى– قال النووي –رحمه الله تعالى-: (ومعني الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم، وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة أو ظالمين).

كما تعني الوطنية في مفهومها الصحيح الوقوف مع ولاة الأمر ضد من يريد الخروج عليهم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» أخرجه مسلم –رحمه الله تعالى- وغيره.

وتعني: المحافظة على الأمن وقطع دابر الفساد أيًا كان مصدره، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌوتعني: كف الأذى عن أبناء الوطن ومن دخله بأمان، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيام» أخرجه أبو داود وصححه الألباني –رحمهم الله تعالى- .

وتعني: بذل النصيحة للجميع وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» أخرجه مسلم –رحمه الله تعالى- .

وتعني: محبة الخير للمسلمين، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» متفق عليه.

والتعاون معهم على الخير، قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ

وتعني: عدم التعدي على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، قال -صلى الله عليه وسلم-: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» متفق عليه.

وتعني: أداء الأمانة والقيام بواجب المسؤلية، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته» متفق عليه.

وتعني: نبذ التحزب والعنصرية، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا.

وتعني: المحافظة على مدخرات الوطن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.

وتعني: الالتزام بالعقود وحسن التعامل، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

إلى غير ذلك مما تعنيه الوطنية بمفهومها الصحيح المثمر، وما ذكرناه من تعاليم الإسلام المرسخة لهذه المفاهيم إنما هو فيض من غيض غزير لا ينضب أبدًا ..

وإننا إذا أدركنا ذلك جيدا، تبين لنا السبيل الأقوم لإذكاء الوطنية بمعناها الصحيح في النفوس وترسيخها في القلوب، بل وجعلها عبادة وقربة يتقرب بها الناس إلى ربهم كما يتقربون بسائر العبادات من صلاة وصيام وزكاة وغيرها، ويمارسونها بصدق وإخلاص ودون رقابة سوى رقابة الضمير المؤمن الحي، ألا وهو الاعتصام بحبل الله والانقياد لأمره والاستسلام لقضائه وتطبيق شرعه في كل صغيرة وكبيرة، وربط الناس بدينهم وتبصيرهم بتعاليمه الصحيحة .

وإذا كانت الأوطان تحب لمجرد كونها مساقط الرؤوس ومدارج الصبا ومراتع الشباب ، فإن الوضع في وطننا يختلف كثيرا، ذلك أنه –ولله الحمد والمنة– يحوي في ثراه أطيب البقاع وأقدسها، ومنه شعّ النور الذي أضاء الكون، وفيه قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وإليه يأرز الإسلام، وفيه من الخير الكثير ما الله به عليم.

ولذا فإن على المسلمين في هذه البلاد أن يدركوا عظم هذه النعم ويشكروا الله عليها، ومن تمام شكره –سبحانه- التعاون على تطبيق شرعه وتحكيم كتابه وامتثال أمره واجتناب نهيه في جميع شئونهم،  ولا يتم ذلك إلا بالاعتصام بالله وتوحيد الصف وجمع الكلمة والتزام البيعة لولي الأمر وبذل النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمحافظة على الأمن، ففي ظل الأمن تعمر المساجد وتقام الصلوات، وتحفظ الأعراض والأموال والحقوق، وتحقن الدماء، وتأمن السبل، وينتشر الخير، ويعم الرخاء، وتقام الحدود، وتنشر الدعوة، وتطبق شريعة الله، وفي المقابل فإن في اختلاف الكلمة وشق عصا الطاعة والتنكر للبيعة واختلال الأمن؛ إثارةً للفتنة, وإشعالًا للصراع الداخلي الذي يؤدي إلى الفشل وإذهاب القوة, ويشتت الجهود ويهدر المكتسبات, ويعيق التقدم والنمو في جميع المجالات, ويؤخر مسيرة العلم والدعوة والإصلاح، ويفتح الباب أمام أصحاب الأهواء والنزعات العقائدية أو الإقليمية أو القبلية أوغيرها لتحقيق مآربهم في تقسيم البلاد وبسط نفوذهم، والأدهى والأمر أن ذلك غاية ما يتمناه الأعداء ليمنحهم الفرصة للتدخل في شئون البلد بحجة إعادة الأمن إليه أو الوقوف مع الأقليات أو تأمين المصالح الدوليه أو القضاء على الإرهاب أو غير ذلك من الذرائع الآثمة والحجج الواهية التي يخادعون بها المسلمين ! كما حصل في كثير من بلاد المسلمين ومن آخر ذلك ما حصل في أفغانستان ثم العراق.

أسأل الله أن يديم على بلادنا إيمانها وأمنها وعزها ورخائها، وأن يحفظها من فساد المفسدين وكيد الحاقدين، وأن يوفق ولاة أمرها لما فيه صلاح البلاد والعباد، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

كتبه / أد. محمد بن عبد الله المحيميد                                8/8/1426هـ                 

     

 

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
5271
تعليقات فيس بوك

الآراء المنشورة لا تعبر عن رأي  أ.د محمد المحيميد علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك، مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن: 

-  الهجوم على أشخاص أو هيئات.
 - يحتوي كلمة لا تليق.
 - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.