\أبحاث\أبحاث ومؤلفات

شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام

شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام
almohaimeed.net/index-ar-show-373.html

شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام
مشاهدات : 369

الأحد 27 شعبان 1439 هـ - الاحد 13 مايو 2018 م

 

 


شرح

كتاب الصيام

من

زاد المستـــقنع

 

للإمام الشيخ

موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي

- رحمه الله -

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شرح فضيلة الشيخ

أ.د. محمد بن عبدالله المحيميد

- حفظه الله -

 


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

هذا هو شرح كتاب الصيام من شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للعلامة موسى الحجاوي-رحمه الله-.

(المتن)

يقول-رحمه الله-: "كتاب الصيام".

(الشرح)

 بدايةً نعرّف الصيام، "الصيام" لغةً: مجرد الإمساك، فمن أمسك عن الأكل وقال صائم، كذلك من أمسك عن الكتابة وقال صائم عن الكتابة، ومن أمسك عن الكلام وقال صائم عن الكلام، قال تبارك وتعالى حكايةً عن مريم-عليها السلام-: {إنّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْمًا فَلَنْ أُكَلّمَ الْيَوْمَ إنسيًّا}[مريم:26]، أي : نذرت إمساكًا عن الكلام.

وفي الشرع عُرِّف بعدة تعريفات، لعل من أجودها تعريف من قال: "هو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس".

(المتن)

قال-رحمه الله-: "يجب صوم رمضان".

(الشرح)

حكم صيام رمضان:- صيام رمضان مفروضٌ بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو ركنٌ من أركان الإسلام، ومن أدلة فرضيتهمن القرآن: قول الله-تبارك وتعالى-:{يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا كُتبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتبَ عَلَى الَّذينَ منْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183]، ويقول-سبحانه-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذي أُنزلَ فيه الْقُرْءَانُ هُدًى للنَّاس وَبَيّنَاتٍ منَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان فَمَنْ شَهدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185].

ومن السنة أحاديث كثيرة، لعل من أوضحها وأظهرها: قوله r: «بُني الإسلام على خمسٍ»([1])وذكر منها «صيام رمضان»، وأجمعت الأمة على فرضية صيام رمضان، ورمضان فُرض في السنة الثانية من الهجرة، وصام النبي rتسع رمضانات بإجماع الفقهاء.

(المتن)

يقول-رحمه الله-: "يجب صوم رمضان برؤية هلاله".

(الشرح)

صوم رمضان يجب بواحد من ثلاثة أسباب: اثنان محل إجماع والثالث محل خلاف:-

السبب الأول: رؤية الهلال، فإذا رأى المسلمون الهلال وجب عليهم الصيام، قال-تبارك وتعالى-: {فَمَنْ شَهدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185]، وشُهود الشهر إنما يكون برؤية هلاله.

أيضًا قول النبي r: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ »([2]).

السبب الثاني: إتمام عدة شعبان ثلاثين يوما، وهذا-كما ذكرت آنفًا- مُجمعٌ عليه، فإذا تحقق دخول شعبان ومضى منه ثلاثون يومًا فإن ما بعد الثلاثين هو أول رمضان فيجب صومه ولولم يُرى هلال رمضان، ودليل هذا: ما أخرجه البخاري ومسلم-رحمهما الله تعالى-: عن عبد الله بن عمر-رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله rقال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً ، فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ »([3]).

السبب الثالث من أسباب وجوب الصيام: وجود غيمٍ أو قترٍ في مطلعه ليلة الثلاثين من شعبان يحول دونه، وهذا السبب-كما ذكرت قبل قليل- هو محل خلاف وسيأتي الكلام عليه بعد قليل إن شاء الله.

(المتن)

قول المصنف: " فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين".

 

(الشرح)

وهذا واضح لعدم وجود سبب من الأسباب السابقة.

(المتن)

قال المصنف-رحمه الله-:

" وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه ".

(الشرح)

إذا حال بين الناس وبين رؤية القمر غيمٌ أو سحب أو "قتر"- يعني: غبار- ولم يتمكن الناس من رؤيته تلك الليلة والأمر محتمل فقد يكون الهلال موجودا وقد يكون غير موجود، فعند الحنابلة- وهذا من مفردات المذهب خلافًا للجمهور- يقولون: "يجب صوم ذلك اليوم لاحتمال أن يكون الهلال قد هلّ ولم يره الناس فيصام ذلك اليوم احتياطًا للعبادة".

 كذلك يقولون: "تُشرع صلاة التراويح في تلك الليلة لئلا يكون الهلال قد هلّ وتفوت هذه الليلة من رمضان"، لكن مع هذا لا يرتبون على هذا الأمر بقية الأحكام المتعلقة –أو: المبنية على دخول الشهر-، لأنهم يعتقدون أن الشهرَ لم يدخل بعد بيقين، فلو أن شخصًا مثلًا اتفق مع شخصٍ على أن يسدده مثلًا حقه في أول يوم من رمضان فلا يلزمه بالسداد في ذلك اليوم لأنه حتى الآن لم يتحقق دخول رمضان، ولو أيضًا رجلًا علق طلاق زوجته على دخول رمضان مثلًا فأيضًا نقول: لا يقع الطلاق في ذلك اليوم لأنه حتى الآن لم يثبت دخول الشهر، وإنما يصومونه احتياطًا.

ويستدل بأدلة، من أدلتهم حديث ابن عمر-رضي الله عنهما- السابق وهو في الصحيحين: أن النبي rقال: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ »([4])، والشاهد منه: قوله r«فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ »، فقوله: إذا قدرنا شعبان -يعني ضيقناه- وأصبح تسعا وعشرين ليلة أو يومًا، وبالتالي يجب أن يُصام ذلك اليوم، يكون ذلك اليوم ليس من شعبان وإنما من رمضان.

أيضًا يستدلون:-  بما صح عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما- أنه كان يصوم ذلك اليوم([5]).

وهذه المسألة محل خلاف، أعني: إذا كان هناك غيمٌ أو قتر ليلة الثلاثين: هل يجب صوم اليوم الذي يلي تلك الليلة أو لا يجب ؟ فالحنابلة يوجبون صيامه، بل لهم مؤلفات في هذا.

 والمسألة محل خلاف، فمن العلماء من قال: صيامه مستحب، ومنهم من قال: صيامه مباح، يعني: لا مستحبًا ولا مكروهًا ولا واجبًا ولا محرمًا، بمعنى يكون كسائر الأيام، ومنهم من قال: يُكره صيامه.

 لكن لعل أرجح الأقوال: "أن صيام ذلك اليوم محرم" لأدلة منها:-

قوله r: «لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ»([6]).

 وأيضًا حديث ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما- أن النبي rقال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً ، فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ »([7]).

 وفي حديث آخر: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ »([8])وهذا من حديث أبي هريرة t، فقوله: «فأكملوا العدة ثلاثين» أو «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» هذا أمر، والأصل في الأمر: أنه يقتضي الوجوب، وبالتالي: لا يجوز للمسلمين صوم ذلك اليوم، لأنه من شعبان بنص هذا الحديث.

وأيضًا من أدلة الجمهور القائلين بتحريم صيام ذلك اليوم:- ما روي عن عمار tأنه قال: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ r»([9]).

ولا شك أن هذا هو يوم الشك لوجود الغيم والقتر في مطلع الهلال، وما روي عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما- من صيام ذلك اليوم: هذا اجتهاد منه t، كان يفعله احتياطًا لنفسه، ولم يكن يرى صيام ذلك اليوم واجبًا، ولا كان يعتقد أنه من رمضان بدليل أنه لم يؤثر عنه أنه كان يأمر أهله بالصيام ولا كان يأمر من حوله بصيام ذلك اليوم، ولو كان يعتقد بأنه من رمضان وأن صيامه واجب لأمر أهله ومن حوله بالصيام.

لا شك أن الراجح في هذه المسألة: أن صيام ذلك اليوم محرم، وأنه على المسلمين إذا كانت تلك الليلة فيها غيمٌ وقتر: أن يكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا ثم بعد هذا يصومون.

(المتن)

قال المصنف-رحمه الله-:

 "وإن رؤي نهارا فهو لليلة المقبلة"

(الشرح)

المقصود بهذا: أنه لا أثر لرؤية الهلال في النهار، أما بالنسبة لليلة السابقة: فهذا ظاهر، وكذلك في الليلة القادمة أيضًا لا أثر لرؤيته في النهار، فلا يصوم الناس إلا إذا رأوه بعد غروب الشمس، إن رأوه صاموا في اليوم التالي، وإن لم يروه فلا يصومون، هذا ثبت عن عمر t.

(المتن)

قال المصنف-رحمه الله-: "وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم".

(الشرح)

المصنف يشير إلى مسألة مهمةٍ جدا وهي: هل يلزم -إذا رؤي الهلال في بلد من بلاد المسلمين- جميع المسلمين في مختلف أقطار الدنيا أن يصوموا أو فقط الصوم واجبٌ على من رآه وعلى أهل البلد الذين رؤي الهلال في بلدتهم ؟

هذه المسألة محل خلاف، وما ذكره المصنف هو مذهب جمهور العلماء -الأحناف والمالكية والحنابلة-، يقولون: إذا رؤي الهلال في بلدٍ من البلدان-سواءً في شرق الكرة الأرضية أو في غربها- فإنه يجب على كافة المسلمين في جميع أقطار الدنيا أن يصوموا، واستدلوا على هذه بأدلة:-

 منها قوله-تبارك وتعالى-: {فَمَنْ شَهدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185]، قالوا: شهادة الشهر لا يمكن أن تكون من جميع الناس بل يصدق عليها أنها شهادة ولو من بعض الناس.

 وأيضا استدلوا: بقول النبي r: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ »([10])والخطاب في قوله: «صوموا لرؤيته» خطاب لجميع المسلمين.

ولذا قالوا: إن في صيامهم لذلك اليوم جميعًا أقرب هذا إلى اتحاد المسلمين واجتماع كلمتهم، هذه من أبرز أدلتهم.

 وفي المسألة أقوال أُخرْ، والقول القوي جدًا في هذه المسألة: هو قول الشافعية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: أن الصيام لا يجب إلا على أهل البلد الذي رؤي فيه الهلال وكذلك أهل البلدان التي توافق ذلك البلد في مطلع القمر فقط، أما سائر بلدان المسلمين فلا يجب عليهم الصيام حتى يروه.

واستدلوا بأدلة:-

منها: أن مطالع القمر تختلف، وهذا باتفاق أهل الفلك، فإذا كانت تختلف المطالع فقد يطلع القمر عند قومٍ ولا يطلع عند آخرين.

ومن أقوى أدلتهم: حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- "أن أم الفضل بنت الحارث-رضي الله عنها- بعثت كريبًا tإلى معاوية tبالشام، فقدم المدينة من الشام في آخر الشهر، فسأله ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- عن الهلال فقال كريب: رأيناه ليلة الجمعة، فقال ابن عباس-رضي الله عنهما-: لكنّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه، فقال كريبٌ t: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال ابن عباس-رضي الله عنهما-: لا، هكذا أمرنا رسول الله r"([11]).

 وهذا نصٌ صريح أن الرؤية تختلف، فهذا ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- لم يلتزم برؤية معاوية ولا بصيامه، مع أن معاوية tكان الخليفة في ذلك الزمن.

أي هذه الأقوال أرجح ؟

لا شك أن كلا القولين قوي جدًا، والترجيح في هذه المسألة صعب، لكن من تمسك بنص ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- فلا تسريب عليه إن شاء الله.

(المتن)

قال المصنف: "ويصام برؤية عدل (ولو أنثى)".

(الشرح)

المصنف-رحمه الله- بدأ الآن يبين شروط من تُقبل شهادته في رؤية الهلال، فقال: "برؤية عدلٍ" ولم يقل برؤية عدلين، وهذا يؤخذ منه أنه لا يشترط التعدد في الشهادة، وأنه يكفي شاهدٌ واحد، وهذا هو مذهب الحنابلة والشافعي. وهو الراجح إن شاء الله تعالى.

ودليل هذا: ما روي عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما- قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي rأني رأيته فصام و أمر الناس بصيامه "([12]).

وأيضًا من أدلتهم: حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء أعرابيّ إلى النبي rفقال: إني رأيت الهلال، فقال النبي r: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم، قال: «أتشهد أن محمّداً رسول الله؟» قال: نعم ، فقال النبي r: «يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا»([13])وهذا واضح الدلالة وصريح الدلالة على قبول شهادة الواحد في رؤية هلال رمضان.

في المسألة قول آخر، قالوا: يُشترط في ثبوت دخول الشهر شهادة اثنين، واستدل أصحاب هذا القول:-

 بما روي عن عبدالرحمن بن زيد الخطاب عن أصحاب رسول الله rأن النبي rقال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلاَثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا »([14])، وهذا الشاهد: «فإن شهد شاهدان ذوا عدلٍ فصوموا وأفطروا» لكن تلك الأدلة أخص من هذا الدليل، وهذا يحمل على بقية الأشهر.

 

(المتن)

قال المصنف-رحمه الله-: "ويصام برؤية عدلٍ".

(الشرح)

إذًا المصنف نص على العدل، وهذا شرطٌ لقبول الشهادة على رأي المصنف، فلا تقبل شهادة الفاسق، والمقصود بالعدل: هو المستقيم، ويعرف الفقهاء: بأنه من لا يقترف كبيرة ولا يصر على صغيرة، وضده: الفاسق، قال-تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسقٌ بنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}[الحجرات:6]، لكن العدل بالوصف الذي ذكرناه (لا يقترف كبيرة ولا يصر على صغيرة) عزيزٌ لا سيما في هذا الزمن، ولكن المسألة إنما تكون بالتسديد والمقاربة، فإذا ارتضى القاضي أو الحاكم شهادة الشاهد بحيث لم يُعرف عنه كذب فتقبل شهادته في هذه الحالة، لقول الله تعالى: {ممَّنْ تَرْضَوْنَ منَ الشُّهَدَاء}[البقرة:282].

وأيضًا: الله -جل وعلا- لم يأمرنا برد شهادة الفاسق، فقط أمرنا بالتبين، كما مر معنا في قوله-سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسقٌ بنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}[الحجرات:6]، ولم يقل: ردوها، فإذا ارتضى القاضي أو الحاكم شهادة الشاهد -وإن كان عليه بعض مظاهر الفسق- إذا ارتضى شهادته حيث لم يعرف عنه كذب وعرف عنه غيرته على الإسلام وحرصه على ما يتعلق بمصالح الأمة فإنها تُقبل شهادته ولا ترد.

قول المصنف-رحمه الله-: "ولو أنثى" يعني: أن الأنثى تقبل شهادتها، وأنه لا يشترط أن يكون الشاهد ذكرا، وهذا هو مذهب الحنابلة، وحجة الحنابلة في هذا: أن هذا خبر ديني يستوي فيه الرجال والنساء، كسائر الأخبار الدينية، كما تقبل شهادة المرأة في رواية الحديث وكذلك في مواقيت الصلاة فينبغي أن يقبل خبرها في رؤية الهلال.

وأيضًا المصنف يُفهم من قوله "ويُصام برؤية عدلٍ ولو (أنثى)" دون تفصيل: أن شهادة الرقيق تقبل في هذا، وهذا هو الراجح في المسألة خلافًا للشافعية، لما ذكرنا أن هذا خبر ديني فتقبل فيه شهادة الرقيق كما تقبل فيه شهادة الحر.

للقاعدة: أن ما ثبت في حق الأحرار من الأحكام البدنية المحضة فإنه يثبت في حق الأرقة إلا بدليلٍ يفرق، كذلك هناك قاعدة: أن ما ثبت في حق الرجال أيضًا يثبت في حق النساء إلا بدليلٍ يفرق.

فمما سبق: يؤخذ أن شهادة الواحد مقبولة، وأن شهادة المرأة مقبولة، وأن شهادة الرقيق مقبولة في ثبوت رؤية الهلال.

عندنا مسألة قبل تجاوز هذا الموضوع:- وهي مسألة خروج الشهر (انتهاء شهر رمضان ودخول شهر شوال):-

 العلماء مجمعون-رحمهم الله- على أن رؤية شهر شوال- وكذلك غيره من الشهور مما سوى رمضان- لا تثبت إلا بشهادة رجلين ولا يكتفى بالواحد، ودليل هذا ما مر معنا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب-رضي الله تعالى عنهم- الذي جاء فيه: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلاَثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا »، «فإن شهاد شاهدان ذوا عدلٌ فصوموا وأفطروا»([15])

وهذه المسألة حكى بعض العلماء الإجماع فيها، فلا نقف عندها طويلًا، فالمقصود: أن دخول شوال وكذلك سائر الأشهر مما سوى رمضان لا يثبت إلا برؤية شاهدين.

(المتن)

قال المصنف-رحمه الله-: "فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما ولم ير الهلال أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا"

(الشرح)

هنا مسألتان:-

الأولى: إذا صاموا بشهادة شخصٍ واحد، ثلاثين يومًا ولم ير الهلال: هل يفطر الناس ؟ إن كان هلال رمضان ثبت برؤية شاهدين فلا خلاف بين العلماء: أن الناس يفطرون إذا أمضوا ثلاثين يومًا ولم يُر الهلال، لكن الإشكال فيما إذا كان الشهر ثبت برؤية شخص واحد، ومر معنا قبل قليل أن دخول رمضان يثبت بشهادة شاهدٍ واحد ولو امرأة ولو رقيق، فإذا ثبت الشهر برؤية واحد ومضى ثلاثون يومًا ولم يُر هلال شوال: فهل يُفطر الناس أو لا يُفطرون ؟ المسألة محل خلاف.

المصنف-كما سمعنا- يقول: لا يفطرون، بل ينتظرون حتى يروا الهلال، وهذا هو مذهب الحنابلة،  قالوا: لا يثبت خروج الشهر إلا بشهادة رجلين، وهذا الصوم مبني على شهادة رجل واحد، فهو مبني على سبب لا يثبت به خروج الشهر، فلو أفطروا لكانوا قد بنوا على شهادة واحد وهو الذي شهد بإدخال الشهر، وهذا لا يقبل في الفطر.

القول الثاني ولعله الراجح: أنهم إذا أتموا ثلاثين يومًا بعد تلك الرؤية فإنه يلزمهم الفطر، وهذا مذهب الشافعية، وحجتهم قالوا: إن الفطر تابعٌ للصوم ومبني عليه، والصوم ثبت بدليلٍ شرعي معتبر، وقد صاموا ثلاثين يومًا ولا يمكن أن يزيد الشهر عن ثلاثين يوما، وأيضًا فإن فطرهم في هذا إنما يثبت تبعًا وليس استقلالًا، ويقل العلماء: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالا.

قال المصنف-رحمه الله- وهي المسألة الثانية: "أو صاموا لأجل غيمٍ لم يفطروا" هذه المسألة لا ترد إلا عند الحنابلة، هم الذين يقولون: إذا كانت ليلة الثلاثين فيها غيمٌ أو قتر فإنه يجب على الناس صيام اليوم الذي يليها، فلا ترد هذه المسألة إلا عندهم، ومع هذا إذا صاموا بناءً على ذلك فيقولون: لا يفطر الناس ولو أمضوا ثلاثين يومًا، لأن دخول الشهر في تلك الحالة مشكوكٌ فيه، فينتظرون حتى يروا هلال شوال، لأن صيامهم في أول الأمر احتياطًا فيقولون: كما احتطنا لدخول الشهر فأيضًا نحتاط لخروجه.

(المتن)

قال المصنف-رحمه الله-: "ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله أو رأى هلال شوال صام".

(الشرح)

يعني في المسألتين:-

المسألة الأولى: إذا رأى شخصٌ هلال رمضان وحده: ردت شهادته ولم تقبلها المحكمة بأي سبب من الأسباب، فهل يلزمه الصوم لوحده أو يكون مع الناس ؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:-

القول الأول: أنه يجب عليه أن يصوم وحده، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة-رحمهم الله-، واستدلوا بأدلة: منها قوله تعالى:{فَمَنْ شَهدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185]، وقالوا: هذا شهد الشهر فيلزمه الصوم، وكذلك قول النبي r: «صوموا لرؤيته » وهذا قدر رآه فيلزمه الصوم.

والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن أحمد-رحمه الله- واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: أنه لا يجب عليه الصوم، بل يظل مفطرًا فلا يصوم إلا مع الناس، واستدل أصحاب هذا القول: بقول النبي r: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون»، وفي رواية: «صومكم يوم تصومون وأضحاكم يوم تضحون»([16]).

وقالوا: إن المعتبر هو ما عليه جماعة المسلمين، فإذا لم يعتبر عندهم هذا اليوم من رمضان فهو من شعبان، فلا يصح أن يصوم هذا الشخص يومًا هو من شعبان.

ولا شك أن هذا هو الراجح، وإن كان الأول فيه احتياط، لكن على أي حال: من أراد أن يأخذ بالقول الأول ويصوم فينبغي له أن يصوم سرًا حتى لا يحصل له منازعة من سائر الناس الذين لم يصوموا ذلك اليوم.

المسألة الثانية: إذا رأى شخص هلال شوال وحده وردت شهادته: فهل يفطر ويُعَيّد أو ينتظر حتى يفطر الناس ؟

المسألة-أيضًا- محل خلاف بين العلماء كالمسألة السابقة، على قولين:-

القول الأول: أنه لا يجوز له الفطر ويلزمه الصوم، وهذا مذهب جمهور العلماء ومنهم الحنابلة، وأيضًا اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-، واستدلوا بالحديث السابق الذي مر معنا: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون»، وأيضًا استدلوا بما مر معنا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب-رضي الله عنه- وفيه: «فإن شهد شاهدان ذوا عدلٍ فصوموا وأفطروا» وقالوا: هنا لم يره إلا شخص واحد فلا يصح أن يُفطر.

القول الثاني في المسألة: أنه لا يلزمه الصوم ويجوز له الفطر، و هذا قول للشافعية، وهو قول ابن حزم-رحمه الله- وقولٌ لبعض المتأخرين، واستدلوا بما مر معنا من قول النبي r: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا» وقالوا: هذا رأى الهلال فينبغي له أن يفطر.

لكن بلا شك أن الراجح هو قول جمهور العلماء في هذه المسألة: أنه يجب عليه أن يصوم ولا يفطر، لأنه ربما لم ير الهلال حقيقةً وإنما توهم في ذلك، فلا يصوم ولا يخالف الناس.

هنا مسألة تتعلق بهذه قبل أن نتجاوزها: لو صام شخصٌ برؤية بلد ثم سافر لبلد آخر قد صاموا بعد ذلك البلد بيومٍ وأتم هو ثلاثين يوما ولم يُر الهلال، يعني: صيامه قبل الناس، ولم يُر الهلال في تلك البلد التي وصل إليها، فهل يُفطر على اعتبار أنه تم ثلاثين يومًا وإلا ينتظر حتى يُفطر أهل البلد الذي هو فيه ؟

المسألة محل خلاف، والصحيح من أقوال العلماء: أنه يصوم مع الناس ولا يفطر، يبقى مع الناس ولو صام واحدا وثلاثين يوما، لما مر معنا من قول النبي r: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون»، فعلق الحكم على جماعة المسلمين.

 وأيضًا في حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- الذي مر معنا: حيث لم يأخذ ابن العباس برؤية معاوية، ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- لم يأمر كريبًا أن يفطر على اعتبار أنه صام مع أهل الشام ثلاثين يومًا، بل أمره أن يأخذ برؤية أهل المدينة ويصوم معهم.

وهذه المسألة تقاس قياسًا جليًا على مسألة ما لو أن الشخص أمسك في بلد وسافر باتجاه الغرب فسيطول عليه النهار فيفطر أهل بلده قبل فطره: فلا يفطر حتى تغرب عليه الشمس مهما كان الأمر، فكذلك في هذه المسألة نقول: من صام في بلده فلا يفطر إلا مع البلد الذي وصل إليه.

(المتن)

ثم قال-رحمه الله-: "ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر".

(الشرح)

المصنف-رحمه الله- بدأ في ذكر شروط من يجب عليه الصيام، وذكر المصنف أربعة شروط: الإسلام والعقل والبلوغ والقدرة.

 أخذنا شرطي (العقل والبلوغ) من قول المصنف: "مكلف"، إذ "المكلف" عند الفقهاء: هو العاقل البالغ، وهذه الشروط محل إجماع بين العلماء، فالكافر لا يصح منه الصيام ولا يجب عليه، ومعنى قولنا: (لا يجب عليه) بمعنى: لو طالبوه في حال كفره وإذا أسلم لا يؤمر بقضائه.

والدليل على أن الصيام لا يصح من الكافر وكذلك سائر العبادات: قول الله-تبارك وتعالى-: {وَقَدمْنَا إلَى مَا عَملُوا منْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}[الفرقان:23]، الكافر مطالب أولًا بالإسلام، لقول النبي rلمعاذ tحين بعثه إلى اليمن: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ »([17])، فالعبادات لا تأتي إلا بعد الإسلام.

والشرط الثاني والثالث وأعني (العقل والبلوغ) دليله: حديث عليّ t: أن النبي rقال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ : عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ »([18]).

الشرط الرابع والأخير: أن يكون الشخص قادرًا، وهذا محل إجماع بين العلماء، فلا يجب الصيام على غير القادر، لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16]، وقوله-تبارك وتعالى-: {لا يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا}[البقرة:286]، وأيضًا قول النبيr: «إذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ »([19]).

و"غير القادر" له حالتان:-

الأولى: أن لا يستطيع في الوقت ويستطيع بعد الوقت، يعني لا يستطيع في رمضان، لكن ممكن أن يستطيع بعد رمضان، كالمريض الذي يرجى برؤه، فهذا يُفطر في رمضان، لكن يجب عليه القضاء إذا استطاع بعد رمضان.

الحالة الثانية: أن لا يستطيع لا في رمضان ولا بعد رمضان، كالمريض الذي لا يرجى برؤه، فهذا يُفطر وعليه الإطعام، كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.

(المتن)

ثم قال المصنف-رحمه الله-: "وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلا لوجوبه".

(الشرح)

المصنف هنا يشير إلى مسألتين:-

المسألة الأولى: إذا قامت البينة في أثناء النهار، بمعنى: شخص أو أهل بلد لم يعلموا أن هذا اليوم من رمضان إلا في وقتٍ متأخر في أثناء اليوم من نصف النهار أو بعد العصر أو نحو ذلك، فماذا عليهم ؟

 أما وجوب الإمساك: فمحل إجماع بين العلماء، بمعنى: يجب عليهم أن يمسكوا عن المفطرات بعد علمهم أن هذا اليوم من رمضان، ودليل هذا:-

 قوله-تبارك وتعالى-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16]، وهذا يستطيع أن يتقي الله في باقي اليوم بامتثال الأمر.

وأيضًا: ما صح عن سلمة بن الأكوع t: «أن النبي rأرسل إلى قومٍ أكلوا أول اليوم من عاشوراء أن أمسكوا وأتموا الصيام»([20])مع أنهم أكلوا أول اليوم، بنص الحديث: أمرهم أن يمسكوا بقية اليوم.

وأما هل يجب عليهم القضاء ؟ فالمسألة فيها خلاف:-

القول الأول: أنه يجب عليهم القضاء، أي قضاء ذلك اليوم، وهذا مذهب جمهور العلماء، قالوا: لأنه لم يصم يومًا كاملا، وأيضًا لم يبيت النية من الليل إلى الصيام.

القول الثاني: أنه لا يجب على أولئك أن يقضوا هذا اليوم، يكتفوا بما أمسكوا منه، ولهذا ذهب بعض العلماء ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-، واستدلوا بأدلة: من أهمها: أن الذين أكلوا أول اليوم في عاشوراء وأمرهم النبي rبالإمساك بقية اليوم لم يأمرهم النبي rأن يقضوا ذلك اليوم، ولو كان أمرهم لنقل، فلما لم يُنقل عُلم أنه لم يأمرهم rبذلك،

وأيضا: الإنسان لا يُكلف بشيء لم يعلمه، وهؤلاء كانوا في أول اليوم لم يعلموا أنه من رمضان.

على أي حال: هذه المسألة في هذا الزمن هي نادرة الوقوع، حيث توفرت وسائل الاتصال ومعرفة دخول الشهر، ولله الحمد والمنة.

المسألة الثانية: من صار أهلًا للوجوب في أثناء النهار، فهل يجب أن يمسك وأن يقضي؟ فإذا بلغ الصبي في أثناء اليوم أو أسلم الكافر أو أفاق المجنون، فما الحكم ؟ المسألة محل خلاف:-

القول الأول: أنه يجب عليه الإمساك بقية اليوم وأيضًا القضاء، وهذا ما قرّره المصنف-رحمه الله- والمشهور من مذهب الإمام أحمد-رحمه الله- وهو قول أبي حنيفة، واستدلوا بالأدلة السابقة كما في حديث عاشوراء.

القول الثاني: أنه يجب عليهم الإمساك دون القضاء، وهذا هو مذهب مالك-رحمه الله- ورواية عن أحمد ورجّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-، قالوا: يجب عليهم الإمساك دون القضاء، واستدلوا بحديث عاشوراء: «أن النبي rأمر أولئك أن يسمكوا بقية اليوم»ولم يأمرهم بقضائه رغم أنهم أفطروا في بداية اليوم، وهذا لا شك أنه كالنص الصريح، وعاشوراء في بداية الأمر كان صيامه واجبًا على المسلمين قبل أن يُشرع صيام رمضان.

(المتن)

قال المصنف: "وكذا حائض ونفساء طهرتا ومسافر قدم مفطرا".

(الشرح)

هؤلاء الثلاثة: الحائض إذا طُهرت والنفساء إذا طهرت والمسافر إذا قدم، يُضاف إليهم شخصٌ رابع وهو (المريض إذا شُفي)، هؤلاء على رأي المصنف يأخذون الحكم السابق: وهو جوب القضاء وأيضًا وجوب الإمساك.

 أما وجوب القضاء على هؤلاء فهو محل إجماع، لقوله-تبارك وتعالى-: {وَمَنْ كَانَ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:185]، فلا شك أن هؤلاء يجب عليهم القضاء، لكن هل يجب عليهم الإمساك بقية اليوم ؟ المسألة محل خلاف:-

 بعض العلماء وهو رأي المصنف-رحمه الله- وهو المذهب: أنه يجب عليهم أن يمسكوا بقية هذا اليوم، لأن فطرهم كان لعذر وقد زال العذر، والحكم يدور مع علته وجودًا و عدمًا، فإذا زال العذر يجب عليهم الإمساك.

القول الثاني: لا يجب عليهم الإمساك، ما داموا أفطروا في أول النهار، وهذا اليوم لن ينفعهم فالقضاء متحتمٌ عليهم، فيجوز لهم أن يفطروا بقية النهار، وهذا القول مرويٌ عن الإمام أحمد-رحمه الله- ولعله الراجح، ودليله: ما روي عن ابن مسعود tأنه قال: "من أكل في أول النهار فليأكل في آخره"([21]).

(المتن)

قال المصنف بعد هذا: "ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينا".

 

(الشرح)

المصنف يبين لنا أنه يجوز للكبير والمريض مرضًا لا يُرجى برؤه: أن يُفطر ولا يصوم في رمضان، لكن ماذا عليه ؟ قال المصنف: عليه أن يطعم لكل يومٍ مسكينا، وهذا لا شك أنه محل إجماع، أعني مشروعية الإفطار لهم،  وعدم الصيام.

 لكن هل يجب عليهم الإطعام ؟

المسألة محل خلاف:-

القول الأول: أنه يجب عليهم الإطعام، وهو مذهب جمهور علماء الأحناف والشافعية والحنابلة، ودليلهم: ما صح عن ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- في تفسير قول الله-تبارك وتعالى-: {وَعَلَى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فدْيَةٌ طَعَامُ مسْكينٍ}[البقرة:184]قال: الشيخ والشيخة يُفطرون ويُطعمون([22]).

القول الثاني للإمام مالك-رحمه الله-: أنهم يُفطرون ولا شيء عليهم، لكن هذا ولا شك أنه قولٌ ضعيف ولا دليل عليه، وقول ابن عباس حجةٌ عليه.

ثم قال-رحمه الله-: "أطعم لكل يومٍ مسكينا" ولم يبين-رحمه الله- القدر المجزي في الإطعام، وهذه المسألة محل خلاف:-

القول الأول: أن الواجب أن يطعم عن كل يوم مد من البر، وهذا القول لبعض العلماء، وهذا مذهب الحنابلة.

القول الثاني: أن الواجب نصف صاعٍ من أي طعام كان.

القول الثالث: الواجب مد من أي طعام كان.

لكن لعل القول الراجح في هذه المسألة: أنه لا حد ولا قدر لما يطعمه الإنسان، حيث وردت الآية مطلقة دون تحديد، والقاعدة: "أن ما أتى في الشرع ولم يحدد، المرجوع في تحديده إلى العرف"، ولعل هذه الآية تحددها آية كفارة الأيمان حين قال-تبارك وتعالى-: {منْ أَوْسَط مَا تُطْعمُونَ أَهْليكُمْ}[المائدة:89]، فمثل هذا يُطعم من وسط ما يُطعم أهله، فيصنع طعامًا في نهاية الشهر ويُطعم الفقراء منه، فإن كان الشهر ثلاثين يومًا أطعم ثلاثين مسكينا، وإن كان الشهر تسعا وعشرين يومًا أطعم تسعًا وعشرين مسكينا مما يُطعم أهله.

 

(المتن)

قال المصنف: " ويسن لمريض يضره".

(الشرح)

الفطر من أجل المرض هو محل إجماع بين العلماء، بنص قول الله-تبارك وتعالى-: {وَمَنْ كَانَ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:185]، والمصنف-رحمه الله- لم يفصل، قال: "ويسن لمريض يضره" والمريض له أحوال:-

الحالة الأولى: أن لا يتأثر بالصوم، مثل الذي عنده مرض يسير، كنحو زكام يسير أو جرح أو نحوه، هذا لا يصوغ له الفطر.

الحالة الثانية: إذا كان الصيام يشق عليه ولا يضره، فهذا يُكره له أن يصوم، ويُسن له أن يفطر.

الحالة الثالثة: إذا كان الصوم يشق على الإنسان وأيضًا يترتب عليه ضرر، كالمريض مرض السكر أو مرض كلى ونحو ذلك، الصيام يضره في هذه الحالة، فما الحكم ؟ هنا لا شك أنه يحرم عليه أن يصوم، لقول الله-تبارك وتعالى-: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بكُمْ رَحيمًا}[النساء:29]، فلا يجوز للمسلم أن يعرض نفسه للهلاك، يأثم إذا صام في هذه الحالة.

مسألة: هل يجوز للصحيح الذي لم يمرض أن يُفطر إذا خشي أنه لو صام مرض ؟ الجواب: نعم، لأن هذا بمعنى زيادة المرض بل هو أبلغ منه.

 

 (المتن)

يقول-رحمه الله-: "ولمسافر (يقصر)".

(الشرح)

هذا معطوف على قوله "ويسن لمريض يضره ولمسافر يقصر"، يعني: ويسن الفطر لمريض يضره كما يسن الفطر لمسافر يقصر الصلاة.

أولًا: الفطر لمسافر جائز بإجماع أهل العلم، قال-تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا كُتبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتبَ عَلَى الَّذينَ منْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}،{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ منْكُمْ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:184].

وهل يجوز للمسافر أن يصوم في حال سفره ؟ الله تعالى يقول: {فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:184]، نعم الصيام له جائز بما ثبت عن النبي r: «أنه كان يصوم وهو مسافر»([23]).

والمسافر له مع الصيام ثلاث حالات:-

الحالة الأولى:أن لا يكون لصومه مزية على فطره، بمعنى: الأمر سيان صام أو أفطر ولا مشقة عليه ولا كلفة.

 وهذه الحالة اختلف العلماء فيها: هل أفضل للمسافر هنا أن يصوم أو أن يفطر ؟ اختلف العلماء في هذا على قولين:-

القول الأول: أن الصيام أفضل، وهذا مذهب جمهور العلماء الأحناف والمالكية والشافعية، واستدلوا بأن هذا فعل النبي r، قال أبو الدرداء t: «كنا مع النبي rفي رمضان في يومٍ شديد الحر حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله rوعبد الله بن رواحة t».([24])

والصوم لا يشق على الرسول rهنا، لأنه rكعادته لا يفعل إلا الأرفق والأفضل.

وأيضًا من أدلتهم: أن الصوم في حال السفر أسرع في إبراء الذمة، فإن القضاء يتأخر وقد لا يتمكن الإنسان من القضاء لاحقًا، وأيضًا هو أسهل على المكلف غالبًا حين يصوم مع الناس، وأيضًا إذا صام في رمضان وهو مسافر فإنه يدرك الزمن الفاضل -زمن رمضان-.

القول الثاني: أن الفطر أفضل من الصيام، وهذا ما قرره المصنف وهو مذهب الحنابلة، واستدلوا بأدلة عامة: منها حديث جابر tأن النبي rقال: «ليس من البر الصيام في السفر».([25])، لكن هذا يُحمل على ما إذا كان في الصيام مشقة على المسافر.

والقول بأن "الصيام أفضل في حالة استواء الأمرين، أعني: الصيام أو الفطر" فيه جمع بين الأحاديث الواردة في الباب.

الحالة الثانية:أن يكون الفطر أرفق بالمسافر، يستطع أن يصوم لكن الفطر أرفق به، في هذه الحالة لا شك أن الفطر أفضل، لأنه هو الرخصة، "والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته"، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح.

الحالة الثالثة: أن يشق الصيام على المسافر مشقةً شديدة غير محتملة، فهنا يكون الصوم في حقه محرم، ودليل هذا:-

 حديث جابر t: «أنّ رَسُولَ اللَّه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ- خَرَجَ عَامَ الْفَتْح إلَى مَكَّةَ في رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَميم فَصَامَ النَّاسُ ، ثُمَّ دَعَا بقَدَحٍ منْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إلَيْه ، ثُمَّ شَربَ فَقيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلكَ : إنَّ بَعْضَ النَّاس قَدْ صَامَ ، فَقَالَ r:  أُولَئكَ الْعُصَاةُ أُولَئكَ الْعُصَاةُ ».([26])، فوصفهم النبي rبالعصاة لأنهم لم يتمثلوا للأمر ولم يقتدوا به في إفطاره rحيث يشق الصيام على الناس في ذلك الوقت أو في تلك الحالة.

(المتن)

ثم قال المصنف-رحمه الله-: "وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر".

(الشرح)

وهذه المسألة محل خلاف:-

القول الأول: من شرع في الصيام ثم سافر فله الفطر، هذا هو المذهب عند الحنابلة ، واستدلوا: بما ثبت عن أ صحاب النبي rأنهم كان يصنعون ذلك، كان أحدهم ينوي الصيام ثم يسافر في نفس اليوم ثم يُفطر في طريقه.

والقول الثاني: وهو مذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة-رحمهم الله- قالوا: من شرع في الصيام ثم سافر فلا يجوز له الفطر، قالوا: لأن في إفطاره إبطالٌ لهذه العبادة، وإبطال العبادة بعد الشروع بها لا ينبغي.

لكن الراجح في هذه المسألة هو القول الأول، لفعل الصحابة-رضي الله تعالى عنهم-، وأيضًا فإن الله جل وعلا رخّص للمسافر أن يفطر دون تفصيل، كما قال-سبحانه-: {فَمَنْ كَانَ منْكُمْ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ}[البقرة:184]، ولم يرد تفصيل هل إذا صام في أول النهار ثم سافر هل يشرع له الفطر أو أن هذه المشروعية خاصة بمن لم يصم في أول النهار، فعدم التفصيل يدل على أن  هذا الأمر جائز.

(المتن)

ثم قال-رحمه الله-: "وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفا على أنفسهما قضتاه فقط".

(الشرح)

وقول المصنف-رحمه الله- أنه يجوز للحامل والمرضع أنت تفطر، ولم يفصل المصنف-رحمه الله-: يعني هذا أن الحامل والمرضع تفطر سواءً كان في ذلك مشقة عليها أو لا أو مشقة على طفلها أو لا، الأمر متاحٌ لها ما دامت بهذا الوضع.

وفطر الحامل والمرضع جائزٌ بإجماع العلماء، ودليله: حديث أنس بن مالك tقال: قال رسول الله r: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع الصوم»([27]).

وإفطار هذه له ثلاث حالات:-

الحالة الأولى: أن يكون الفطر مراعاةً لحالهما.

الحالة الثانية: أن يكون الفطر مراعاةً لحال الولد، الحمل في البطن أو الذي يرضع حتى لا يحصل عليه قصور في الرضاعة.

الحالة الثالثة: أن يكون الفطر مراعاة لحالهما وحال الولد.

أما بالنسبة للحالة الأولى والحالة الثالثة -أعني إذا كان الفطر مراعاةً لحالهما و الحالة الثالثة إذا كان الفطر مراعاة لحالهما وحال الولد-: فهذا بلا إشكال لهم الفطر بإجماع العلماء، وعليهما القضاء ولا إطعام عليهما.

بقي الحالة الثانية (وهي ما إذا كان الفطر مراعاةً لحال الولد)، قال المصنف-رحمه الله- وبيّن لهذا النوع: "وعلى ولديهما قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينا".

إذًا المصنف يقرر هنا: أن الحامل والمرضع إذا أفطرت من أجل مصلحة الولد فقط فإنه يجب عليها مع القضاء أن تطعم عن كل يومٍ مسكينا، وهذه المسألة محل خلاف بين العلماء:-

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
7899
تعليقات فيس بوك

الآراء المنشورة لا تعبر عن رأي  أ.د محمد المحيميد علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك، مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن: 

-  الهجوم على أشخاص أو هيئات.
 - يحتوي كلمة لا تليق.
 - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.