المكتبة المقروءة / آراء ومقالات / وقفات بمناسبة الانتخابات البلدية

وقفات بمناسبة الانتخابات البلدية

تاريخ النشر : 26 صفر 1437 هـ - الموافق 09 ديسمبر 2015 م | المشاهدات : 771
مشاركة هذه المادة ×
"وقفات بمناسبة الانتخابات البلدية"

مشاركة لوسائل التواصل الاجتماعي

نسخ الرابط

بسم الله الرحمن الرحيم

وقفات بمناسبة الانتخابات البلدية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن والآه   وبعد /

فإن الانتخابات البلدية تعتبر خطوة إيجابية تشكر عليها حكومتنا – وفقها الله – ومن أهم أهدافها إشراك المواطن في الارتقاء بأداء جهاز البلدية من خلال انتخاب من يرى كفاءته وصلاحيته للمشاركة في عضوية المجلس البلدي ، وبمناسبة بدء هذه الانتخابات فقد حررت السطور التالية لتذكير نفسي وإخواني ببعض الأمور التي ينبغي أن نتفطن لها قبل الدخول في هذا المضمار :

أولاً : أهمية المشاركة في الانتخابات وحكم ذلك :

تنبثق أهمية المشاركة في الانتخابات من كونها وسيلة فعالة وفرصة سانحة لترشيح الأكفاء للمشاركة في تسيير دفة الأعمال الحكومية نحو تحقيق أهدافها على وجه صحيح وعادل ، وبناء عليه فإن المشاركة فيها قد تصل إلى درجة الواجب شرعاً ؛ لما فيها من التعاون على البر والتقوى والنصيحة للمسلمين ؛ وقد قال سبحانه وتعالى : (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) ، كما قال رسوله صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ، قلنا لمن يارسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) ، ومن أعظم البر والنصيحة الواجبين للمسلمين اتخاذ ما يتيسر من الأسباب لإسناد ولاياتهم للأكفاء الناصحين ، كما أن من أعظم الإثم والعدوان والغش للمسلمين إسناد ولاياتهم لغير الأكفاء أو المقصرين سواء بطريق مباشر أو غير مباشر

 وفي المقابل فإن الإحجام عن المشاركة فيها يعتبر تقصيراً في حق الأمة ربما يأثم عليه المسلم ؛ لما يترتب عليه من تفويت فرصة عظيمة لترشيح الأكفاء لتولي زمام أمورها ، كما يترتب عليه فتح المجال للجهلة لترشيح غير الأكفاء من ذوي المطامع الشخصية والأهداف المشبوهة .

ثانيا : هل لي أن أسجل نفسي كمرشح ؟

والجواب : أن من لمس من نفسه القوة والأمانة (الكفاية والتأهيل وضبط النفس عن الهوى ) – حقيقة وليس مجرد غرور أو إعجاب بالنفس - جاز له شرعاً أن يرشح نفسه بل ربما استحب له أو وجب عليه حسب درجة كفاءته بالنسبة لبقية المرشحين ؛ فقد قال نبي الله يوسف عليه السلام :(اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) ، وبالمقابل فإنه لا يجوز شرعاً لغير الكفء أن يرشح نفسه ؛ لما في ذلك من الغش والخيانة للمسلمين ، فحال هذا كمن يجلب البضاعة الفاسدة لأسواق المسلمين وهو عالم بفسادها ؛وقد قال صلى الله عليه وسلم :( من غشنا فليس منا ) أخرجه مسلم-رحمه الله .

ثالثاً : من نرشح ؟

يجب أن تعلم أيها الأخ الكريم أن الترشيح ليس بالأمر الهين كما يتصور البعض ، ولكنه مسؤلية جسيمة وأمانة عظيمة ، ذلك لأن ترشيحك لأي شخص معناه ما يلي :

1- تحرير شهادة شرعية تتضمن تزكية صريحة - ستسأل عنها يوم القيامة – بأن مرشحك هو أفضل من يتولى هذا العمل الذي رشحته من أجله .

2- أن ترشيحك لشخص ما سيكون لبنة في بناء صرح له ؛ ليرتقي عليه حتى يصل إلى هذا المنصب الذي رشح له، وفي المقابل سيكون لبنة في بناء سد في طريق منافسيه للحيلولة بينهم وبين هذا المنصب .

إذا علم هذا فاحرص قبل الترشيح على التأمل في حال المرشحين ، والتحري عن كفاءتهم وخبرتهم للعمل المرشحين من أجله ؛ فإن لكل مجال رجاله ، وكذا التحري عن أمانتهم  وذلك من خلال سؤال من تثق به ممن يعرفهم معرفة تامة ، فإن رأيت منهم من يستحق الترشيح فاتق الله تعالى ورشحه بغض النظر عن جنسه ، أو لونه ، أو بلدته ، أو قبيلته ، أو غير ذلك من الفوارق التي ما أنزل الله بها من سلطان ؛ فإن الله تعالى يقول:( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ،ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :( يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى) أخرجه-أحمد-رحمه الله. 

وإن لم تر في المرشحين كفوءاً فاتق الله تعالى وأمسك عن الترشيح فإن السلامة لا يعدلها شيء ، واعلم أن الناس لن يغنوا عنك من الله شيئاً ، فإن النفع والضّرّ والعزّ والذّل بيده سبحانه  فإياك والمجاملة أو الفزعة أو الحمية على حساب دينك وأمانتك ، إياك إياك أن تخون الأمانة وتجعل السيء يرتقي على أكتافك ، وتقطع الطريق على منافس أكفأ وأنفع لعموم المجتمع من مرشحك ، قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) .

 واحذر كل الحذر أن يحملك هدف خاص لك أو لحيّك أو شارعك تتوقع حصوله من أحد المرشحين على ترشيحه وهو ليس بأهل لذلك .. ؛ فإن مثل هذا الهدف لا يعتبر مسوغاً شرعياً للترشيح  ؛ لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة كما هو متقرر شرعاً .

وتذكر جيداً .. أن الناس حين يرون أو يسمعون عن مسؤل أحسن القيام بواجبه الوظيفي فإن ألسنتهم لا تلهج بشكره والدعاء له وحده فحسب  بل له ولمن عينه في هذا المنصب أو أوصى بتعيينه ، وفي المقابل حين يرون أو يسمعون عن مسؤل قصر في واجبه الوظيفي فإنهم يذمونه ويلقون باللائمة أول ما يلقون على من عينه في هذا المنصب أو أوصى بتعيينه ، وهذا إجماع منهم على أن من تسبب في تعيين مسؤل فإنه يعتبر مشاركاً له في أي قرار يتخذه سواء كان إيجابياً أو سلبياً ، وبالتالي سوف يناله ما ينال ذلك المسؤل من مدح أو ذم من الناس ، أو ثواب أو عقاب من الله تعالى . فاحذر أن تعرض نفسك للوم الناس في الدنيا وعقاب الله في الآخرة .

وأخيراً : إعلم أخي الكريم .. أن الانتخابات وسيلة حضارية فعالة لتطوير الأداء في الأجهزة الحكومية من خلال اختيار الأكفاء لتولي الأعمال الوظيفية ، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، وبناء عليه يجب على الجميع أن يستغلوا هذه الوسيلة لتحقيق هدفها الصحيح ، وأن يحافظوا على رونقها ، وأن يرتفعوا بها عن أن تكوناً ميداناً لتحقيق المكاسب الشخصية مادية كانت أو معنوية ، أو ميداناً للتنافس المذموم من خلال التعصبات الجاهلية ؛ سواء كانت إقليمية أو قبلية أوعنصرية أوغيرها ..وأن يحذروا كل الحذر من ذلك ؛ لما يترتب عليه من إسناد الأمور إلى غير أهلها ، وإشاعة الفرقة وإذكاء العداوات بين أفراد المجتمع ومن ثم تمزيقه . حفظ الله على بلادنا أمنها وإيمانها ، وأدام عزها ورخاءها ، وألف بين أهلها ، وجمع كلمتهم على الحق ، ووفق ولا تها لما يحبه ويرضاه . وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم .

كتبه : أد. محمد بن عبد الله المحيميد 

أستاذ الفقه بجامعة القصيم  ، المرجع / جريدة الجزيرة ص( 24 ) ، عدد ( 11843 ) ، في 21/1/1426هـ .

 
المادة التالية

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف