مناشط دعوية
منبر الجمعة
الزيارات المرفقات تاريخ الاضافة اسم المادة
149
السبت 22 شعبان 1440 هـ التحذير من التكفير وسفك الدماء (حادث الزلفى)
129
السبت 15 شعبان 1440 هـ مواعظ نبوية
129
الأحد 09 شعبان 1440 هـ النية الخالصة
173
السبت 01 شعبان 1440 هـ وجوب الالتزام بتنظيمات الدولة ما لم يكن فيها معصية
138
السبت 23 رجب 1440 هـ العطايا لأهل البلايا
محاضرات
الزيارات المرفقات تاريخ الاضافة اسم المادة
266
الأحد 12 رمضان 1439 هـ حسن الخلق كلمة في جامع الراجحي بمكة المكرمة يوم الأحد 11 رمضان 1439
401
الثلاثاء 06 شعبان 1438 هـ فقه المعاملات المالية الدرس 27
432
الخميس 01 شعبان 1438 هـ فقه المعاملات المالية الدرس 26
411
الثلاثاء 28 رجب 1438 هـ فقه المعاملات المالية الدرس 25
425
الخميس 23 رجب 1438 هـ فقه المعاملات المالية الدرس 24
أحداث ومواعيد
إدعمنا بإشتراكك !
معجبين
متابعين
مشتركين
تغريدات
تابعنا على الفيس بوك
آراء ومقالات
  • الغيث، أهميته وأسباب نزوله
  • بسم الله الرحمن الرحيم

                                                         الغيث، أهميته وأسباب نزوله

    خطبة الجمعة الموافق   16/5/1439

    الخطبة الأولى

    الحمد لله ربِ العالمين، الرحمنِ الرحيم، مالكِ يوم الدين، لا إله إلا اللهُ يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا إله إلا اللهُ الولي الحميد، لا إله إلا الله المؤمَّلُ لكشف كلِ كربٍ شديد، لا إله إلا اللهُ المرجو للإحسان والمزيد، لا إله إلا اللهُ مجيبُ دعوةِ المضطرين، لا إله إلا الله فارجُ همِّ المهمومين، لا إله إلا الله مجزلُ النعمِ على جميع المخلوقين، أحمده سبحانه على نعمائه وأشكره على ترادف آلائه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبدُه ورسولُه، سيدُ الشاكرين ورسولُ رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا..

    أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا الله تبارك وتعالى وأطيعوه، وتوبوا إليه واستغفروه. فإن تقوى الله أمان من الرزايا، وسلامة من البلايا، وعصمة من الفتن، ونجاة من المحن، فيها تفريج الهموم، وكشف الغموم، ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق:3).

    عباد الله، نعمة من نعم الله، وآية من آياته، لا غنى للناس عنها، هي مادة حياتهم، وعنصر نمائهم، وسبب بقائهم، منها يشربون ويسقون، ويحرثون ويزرعون، ويرتوون ويأكلون، تلكم ـ يا رعاكم الله ـ هي نعمة الماء والمطر، وآية الغيث والقطر ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء:30)، ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَـٰحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً  لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَـٰماً وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً  وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ (الفرقان:48-50)

    ومع هذا فأكثر الناس لا يَقدرها حق قدرها ولا يوليها العناية اللازمة لها؛ فمع الإسراف والإهدار الكبير لها لا يبالون بتأخر نزول المطر الذي هو أهم مصادرها، ولا يفتشون عن أسباب ذلك، وإذا تحدث العلماء عن هذه النعمة وأهمية العناية بها لا يلقون لحديثهم بالا ولا يصغون له سمعا، ويخرج الناس للمصليات بين الفينة والأخرى يستسقون وبين يدي ربهم في وجل وخوف يتضرعون، وهؤلاء في بيوتهم آمنين ، وعلى فرشهم يتقلبون ، وكأن الأمر لا يعنيهم.. أي قلوب يحملها هؤلاء؟ وأي عقول يفكرون بها؟ .. أوَ غرهم قرب صنابير المياه من أيديهم وانتشارها في بيوتهم، وتيسر حصولهم على الماء دون عناء؟!! إن القادرَ على منع الأمطار قادرٌ على تغوير مياه الآبار فلا يستطيع الناس الوصول إليها ؛ قال جل وعلا مخوفاً عباده من ذلك:﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ (الملك:30)، وإن القادر على منع الأمطار قادر على قلب المياه العذبة الموجودة في الآبار وغيرها لتصبح أُجاجا شديدة الملوحة قال تعالى:﴿أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (الواقعة:68-70).

    ألا فلنستيقظ يا عباد الله ونقدر هذه النعمة حق قدرها ونشكر ربنا على تفضله بها علينا.. قبل أن يحل بنا تهديده ويقع علينا وعيده..

    أيها المسلمون: إذا أدركنا عظم نعمة الإمطار وخطورة تأخرها فضلا عن منعها بالكلية وجب علينا أن نبحث عن أسباب تأخرها ومنعها لاجتنابها ، وأسباب جلبها وحصول بركتها للأخذ بها..، ولقد بين القرآن والسنة هذه الأسباب بجلاء ووضوح ؛ قال تعالى:﴿وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى:30)، ويقول سبحانه: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:41)؛ وعن ابن عمر-رضي الله عنه- قال: أقبَل علينا رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فقال :"يا معشرَ المهاجرين، خمسٌ إذا ابتُليتم بهنّ وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحِشة في قومٍ قطّ حتى يعلِنوا بها إلاّ فشا فيهم الطاعون والأوجاعُ التي لم تكن مضَت في أسلافهم، ولم ينقُصوا المكيالَ والميزان إلاّ أخِذوا بالسِّنين وشدَّة المؤونةِ وجَور السلطان عليهم، ولم يمنَعوا زكاة أموالهم إلاّ منِعوا القطرَ من السماء ولولا البهائم لم يمطروا"، رواه ابن ماجه وصححه الحاكم.

    عباد الله: إن الذنوب والمعاصي ما حلَّت في قلوب إلا أظلمتها، ولا في نفوس إلا أفسدتها، ولا في ديار إلا أهلكتها، ولا في مجتمعات إلا دمرتها، فما من شر وبلاء في الدنيا والآخرة إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟!"؛ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ –رضي الله عنه- (وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، إِنَّ الْحُبَارَى لَتَمُوتُ فِي وَكْرِهَا مِنْ ظُلْمِ الظَّالِمِ) . وقال مجاهد: إن البهائم تلعن عصاة بنى آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر وتقول: هذا بشؤم معصية ابن ادم ".

    وإن ذنوبنا ـ يا عباد الله ـ كثيرة وظلمنا عظيم، وإن تقصيرنا شديد وكبير؛ ألم تظهر المنكرات وتعمّ المحرمات وتنتشر الموبقات في كثير من المجتمعات؟! أما طاش ميزان الصلاة عند كثير من الناس وهي ثاني أركان الإسلام؟! أما بخل كثير من الناس بالزكاة المفروضة وألهاهم التكاثر والتنافس في الأموال عن إخراج حق الله فيها؟! ألم تكثر الموبقات والجرائم ؛ من الزنا والربا وشرب الخمور والمسكرات وتعاطي المخدرات في كثير من المجتمعات؟! ألم يتفش ظلم العباد وغشهم ومطلهم حقوقهم وبخسهم في المكاييل والموازين والمقاييس وينتشر بين صفوف كثير من المسلمين وفي أسواقهم ومعاملاتهم؟! أما مُلئت بعض قلوب ضعاف النفوس بالحسد والشحناء والحقد والبغضاء؟! ألم تنتشر مظاهر التبرج والسفور والاختلاط في كثير من المجتمعات وهي من أكبر دواعي الفساد ، كل هذا وغيره كثير – يا عباد الله - مع تقصيرنا الظاهر في القيام بواجب الدعوة إلى الله والحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو قوام هذا الدين، وبه نالت هذه الأمة الخيرية على العالمين؟! فأين الغيرة الإسلامية؟! وأين الحمية الدينية؟! فرحماك ربنا رحماك، وعفوك يا مولانا، وعافيتك يا الله، قال بعض السلف-رحمه الله-: (أنتم تستبطئون نزول الغيث، وأنا أستبطئ نزول الحجارة من السماء).

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بما كانوا يكسبون﴾ ( الأعراف:96) بارك الله لي ولكم في القرآن..

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله على إحسانه ..

    أما بعد.. فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن من أسباب نزول المطر بعد تقوى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه : كثرة الاستغفار ؛ قال سبحانه عن نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾(نوح:10-12)، ومن الأسباب بل من أعظمها دعاءُ الله وسؤالُه والإلحاحُ عليه فإن ربَكم قريبٌ مجيب لا يخلف الميعاد ؛ وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾(غافر:60)وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ-رضي الله عنه- قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ المَالُ، وَجَاعَ العِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، قَالَ: فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، قَالَ: فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَفِي الغَدِ، وَمِنْ بَعْدِ الغَدِ، وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ - أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ وَغَرِقَ المَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلاَ عَلَيْنَا» قَالَ: فَمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا تَفَرَّجَتْ، حَتَّى صَارَتِ المَدِينَةُ فِي مِثْلِ الجَوْبَةِ (فتح الباري لابن حجر (2/ 506) وَالْجَوْبَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الْحُفْرَةُ الْمُسْتَدِيرَةُ الْوَاسِعَةُ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْفُرْجَةُ فِي السَّحَابِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَادُ بِالْجَوْبَةِ هُنَا التُّرْسُ)حَتَّى سَالَ الوَادِي، وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا، قَالَ: فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ) رواه البخاري ومسلم-رحمهما الله- هكذا أيها المسلمون قدرة الرب الكبير المتعال وهكذا آية للرسول صلى الله عليه وسلم النبي المختار لم ينزل من منبره حتى تحادر المطر من لحيته وبقي المطر أسبوعاً كاملا.. لا إله إلا الله ؛نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمدا عبده ورسوله،

    عباد الله: إن القادر على مثل هذا في عهد نبيه صلى الله عليه وسلم قادر على أن يكون مثل هذا في عهدنا

    ألا فتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، واستغفروه وارجعوا إليه وادعوه بألسنة صادقة، وقلوب حاضرة، وأحسنوا الظن به، وأعظموا الرغبة فيما عنده، أظهروا الفاقة والحاجة والذل له والانكسار بين يديه، وتحينوا أوقات الإجابة، ولا تيأسوا ولا تستحسروا ولا تستبطئوا الإجابة فإن  استبطاء الإجابة من موانع القبول، وارحموا خلقه وأحسنوا إليهم، ولا تقنطوا من رحمة ربكم  فإن فرجه قريب؛ يقول سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ،وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (الأعراف:55-58).

    اللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين ، اللهم أعنا على ذكرك..صلوا بعد هذا وسلموا..

    اعداد: أ.د. محمد المحيميد 16/5/1439

    التفاصيل
    0
    276
  • حكم الاعتدال والطمأنينةبعد الركوع وبين السجدتين
  • بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده   وبعد/

    فيُلاحظ على بعض المصلين-وفقنا الله وإياهم-مع رغبتهم في الخير وحرصهم على الصلاة أنهم لا يحسنون الاعتدال في القيام بعد الركوع، ولا الاعتدال في الجلوس بين السجدتين؛ بل ربما أخلوا في ذلك إخلالا بينا قد يترتب عليه بطلان صلاتهم؛ ترى أحدهم ينحط للسجود بعد الركوع قبل أن يستتم قائما، ويسجد السجدة الثانية قبل أن يستوي جلسا من السجدة الأولى..؛ ورغبة في الخير لإخواني فهذه أقوال العلماء في هذه المسألة المهمة :

    قال ابن عابدين الحنفي-رحمه الله- في حاشيته على الدر المختار (1/ 464): (وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصَحَّ رِوَايَةً وَدِرَايَةً وُجُوبُ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ، وَأَمَّا الْقَوْمَةُ (الاستواء قائما بعد الركوع) وَالْجَلْسَةُ وَتَعْدِيلُهُمَا فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ السُّنِّيَّةُ، وَرُوِيَ وُجُوبُهَا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَدِلَّةِ، وَعَلَيْهِ الْكَمَالُ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَدْ عَلِمْت قَوْلَ تِلْمِيذِهِ إنَّهُ الصَّوَابُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِفَرْضِيَّةِ الْكُلِّ وَاخْتَارَهُ فِي الْمَجْمَعِ وَالْعَيْنِيِّ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ فِي الْفَيْضِ إنَّهُ الْأَحْوَطُ اهـ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ)اهـ.

    وقال ابن عبد البر المالكي-رحمه الله- في كتابه الاستذكار (2/ 306): ( وَالِاعْتِدَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَفِي السُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَاجِبٌ فَرْضًا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِكَ وَفِعْلِهِ لَهُ وَقَوْلِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَقَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي رُكُوعِهِ ولا سجوده ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ).

    وقد استدل هؤلاء الأئمة الأعلام-رحمهم الله- بعدد من الأدلة منها:

    1- قوله -صلى الله عليه وسلم- للمسيء صلاته: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَكَبِّرْ وَاقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ وَتَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا» أخرجه البخاري ومسلم رحمهما الله.

    2-قول أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: إِنِّي لاَ آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ، كَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي بِنَا - قَالَ ثَابِتٌ: كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ - " كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: قَدْ نَسِيَ " رواه البخاري ومسلم-رحمهما الله.

    3-قول عائشة-رضي الله عنها- في صفة صلاته -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «..وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ، لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا )  أخرجه مسلم -رحمه الله.

    وفق الله الجميع لاتباع السنة ورزقهم الإخلاص في القول والعمل. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم

    كتبه/أ.د. محمد بن عبدالله المحيميد

    أستاذ الفقه في كلية الشريعة في جامعة القصيم

     

    التفاصيل
    0
    622
  • أي نعمة نحن فيها وكيف نحافظ عليها؟
  • بسم الله الرحمن الرحيم

    خطبة عيد الفطر المبارك في البصر 1437هـ

    أد. محمد بن عبد الله المحيميد إمام جامع البصر

    الحمد لله رب العالمين ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين وقيوم السماوات والأراضين ، لافوز إلا في طاعته ولا عز إلا في التذلل لعظمته ، ولا هدى إلا في الاستهداء بنور وحيه، ولا حياة إلا في رضاه ولا نعيم إلا في قربه، سبحانه ما أكرمه وما أحلمه إذا أطيع شكر وإذا عُصي تاب وغفر ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

    أما بعد فيا أيها المسلمون: عيدُكم مُبارك ، أدَّيتم فرضَكم، وأطعتُم ربَّكم، صُمتم وقرأتُم وتصدَّقتُم، فهنيئًا لكم ماقدَّمتم، وبُشراكم الفوزَ-بإذن الله وفضله-أسأل الله سبحانه أن يجعلنا جميعا من عتقائه من النار ووالدِينا وأزواجَنا وذرياتِنا وجميعَ المسلمين في ذلكم الشهر الكريم ، وأن يجعلنا ممن صام الشهر وقامه وقام ليلة القدر إيماناً واحتساباً ، وأن يسلكنا في عداد عباده المقبولين الفائزين المرحومين إنه جواد كريم

    ثم أوصي نفسي وإياكم عباد الله بتقوى الله ومواصلة الأعمال الصالحة لتتحقق لنا السعادة في الدارين ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

     الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

    أيها المؤمنون : تأملوا-رحمكم الله- فيما أفاء الله علينا من النعم العظيمة .. نعمة الإيمان وصفاء العقيدة بينما المليارات من البشر ماتوا ويموتون على الشرك والبدع، ثم نعمة الأمن ورغد العيش في دولتنا الكريمة في وقت ابتليت فيه كثير من الدول والبلدان بمصائب ونكبات وفتن وفقر وبعد عن شرع الله.

    أيها المؤمنون: أجيلوا أنظاركم في هذا الكون فوالله لا أرى أحدا مثلنا على هذه البسيطة بفضل الله وكرمه ومنته ، أجل ما نبغي في هذه البلاد المباركة.. نعم الله تتدفق علينا صباح مساء ، والأذان للصلاة لا يكاد يفارق مسامعنا ، والحرمان الشريفان في متناول أيدينا .. أمن واطمئنان ، عافية في العقول والأبدان ، رغد عيش وحياة إسلامية طيبة ، في ظل ولاية كريمة تُحكِّمُ شرعَ الله وترفع لواء الدعوة إليه!! فنحمد الله على هذه النعم العظيمة .. ، 

    غير أن السؤال الهام والكبير الذي يطرح نفسه يا عباد الله : ما ذا نحن صانعون –رحمكم الله-من أجل شكر هذه النعمة  والمحافظة عليها ؟!!

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

    عباد الله: كنا في خطب الأعياد  الماضية القريبة نتحدث عن مآسي المسلمين وتسلط أعداء الأمة عليهم ؛ في دول بعيدة عن بلادنا ؛ في أفغانستان وفي الشيشان وفي البوسنة والهرسك وفي اندونيسيا والفلبين وكشمير وأركان والصومال..واليوم أصبحنا نرى الفتن تزحف نحو بلادنا بقوة ، ودائرة المآسي بدأت تضيق الخناق عليها حتى حاصرتها من أكثر الجهات ، ألا ترون كيف سقطت الدول المجاورة لنا ؛ العراق وسوريا واليمن في حمأة الفتن واشتعلت فيها الحروب وتجرع أهلها المآسي ..

    بل لقد أصابنا بعض من هذه الفتن ؛ وتطاير إلينا شررُها ؛ واكتوينا بلهبها في بلادنا ، حتى أصبحت تتخطف ابناءنا ، وتستنزف اقتصادنا ..أجل كم فقدنا من جنودنا الأشاوش في عاصفة الحزم في اليمن ، وكم فقدنا من رجال أمننا في الداخل ، وكم فقدنا من شبابنا الذين غرر بهم وجرفتهم الفتن فساروا في ركب الانحراف فانقلبوا إلى كلاب مسعورة تنهش يمينا وشمالا ، بل تجاوز بعضهم الكلاب فانقضوا على أقرب الناس إليهم ولم يراعوا حرمة لمكان ولا زمان فنفذوا جرائمهم في المساجد والأماكن المقدسة نسأل الله السلامة والعافية . 

    عباد الله : إنه ليس بيننا وبين الله نسب ولا عهد ولا ميثاق أن لا يحل بنا ما أحل بغيرنا من الأمم الماضية أو المعاصرة ، بل ما حل بجيراننا ، إن الذي بيننا وبين ربنا جل وعلا :( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ )  

    أيها الأحبة: بلادنا كما ترون تقع في صحراء قاحلة لا أنهار ولا أمطار تذكر ؛ فمن الله علينا بالأمن واستخراج النفط فحصلت هذه النعم العظيمة والخيرات الوفيرة التي ننعم بها .. أفلا نخشى من سلب هذه النعمة ..إن زوالها من أسهل ما يكون إلا أن يرحمنا الله، أجل إن مجرد أي اختلال في الأمن سيترتب عليه تعطل للمصالح ، ومن ثم العودة إلى حياة الآباء والأجداد وتعلمون كيف كانت حياتهم ؛ فقر مدقع ، شظف عيش يقاتل بعضهم بعضا على موارد المياه وأماكن الرعي مع ما كانوا عليه من قلة العدد ،.. تأملوا كيف ستكون حالنا لا قدر الله لو حصل ذلك وقد كثرت أعدادنا وتعودنا على حياة الترف والنعيم.

    ألا فاتقوا الله أيها المسلمون في أنفسكم ، اتقوه في نسائكم ، اتقوه في أولادكم حافظوا على أعراضكم وأموالكم ، حافظوا على النعم التي أنتم فيها لا تتعرضوا لسخط الله ومقته ، ولا تعرضوا هذه النعم للسلب والزوال ، فلا والله لا ينجي من عذاب الله مجرد الانتساب للإسلام دون الالتزام بتعاليمه ، ولا السكنى في ديار الإسلام دون تطبيق شرع الله فيه.

    انظروا –رحمكم الله- إلى بلاد الشام وما حل بأهلها بعد أن كانوا يعيشون في أمن وأمان ورغد من العيش كيف حالهم الآن ؛ من يتصور أن الكثير من مدنها تئن تحت وطأة القصف النصيري الباطني والصليبي الروسي والرافضي المجوسي ؛ تدمر مساجدها وتهدّم بيوتها ويقتل رجالها وتنتهك أعراض حرائرها من قبل هذه الحثالة النجسة ، ولا تسأل عما يحدث في العراق واليمن وليبيا وبورما وغيرها من ديار الإسلام.

    أخرج الامام أحمد – رحمه الله تعالى – عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه – رحمهما الله -  قال لما فتحت قبرص : فُرِّق بين أهلها فبكى بعضهم الى بعض فرأيت أبا الدرداء – رضي الله تعالى عنه - جالسا وحده يبكى فقلت يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الاسلام وأهله فقال ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره بينما هي أمة قاهرة ظاهرة  ، لهم الملك ، تركوا أمر الله فصاروا الي ما ترى )

    الله أكبر ، الله أكبر..

    أيها المسلمون : إنا أمتنا الإسلامية تواجه اليوم غزوا عسكريا وحربا حقيقية يقوم بها اليهود وأذنابهم من النصارى لإسقاط الدول السنة  وإقامة خلافة رافضية على العالم الإسلامي وتمكين المجوس من مد نفوذهم وسيطرتهم ونشر عقيدتهم الباطلة في بلاد المسلمين باسم الإسلام ؛ ولا يدرك اليهود والنصارى استحالة اسقاط الإسلام باسم الكفر.

    كما تواجه غزوا ثقافيا وحربا إعلامية مركزة لصد الناس عن دينهم الصحيح وتزيين المذاهب الإلحادية والبدعية من الرافضية وغيرها ، بعد أن فشل النصارى في حملاتهم التبشيرية لتنصير المسلمين..وذلك من خلال ما تشاهدون من الحملات المكثفة والممنهجة عبر وسائل الإعلام لإسقاط علماء أهل السنة الربانيين من أعين الناس وإبراز النكرات وتلميع المجاهيل من أهل البدع وأعداء الدين وإظهارهم بمظهر العلماء والمفكرين الإسلاميين  وفتح المجال لهم لنشر أفكارهم وشبههم وفتاويهم المُضلَّة ؛ للبس الحق بالباطل وتحليل ما حرم الله ..

    وللتصدي لهذه الغزو العسكري والثقافي .. فيما يلي بعض الّلفتات العامة التي أري أن ملاحظتها من الأهمية بمكان للوقوف في وجهه ورد كيد أهله في نحورهم :

    1-الالتفاف حول العلماء الربانيين الذين عرف عنهم النصح للأمة في جميع شؤونها ، والصدور عن رأيهم وعدم التقدم عليهم ؛ والحذر من فتاوى الرويبضة والمجاهيل ، الذين يستغلون الظرف للبروز والشهرة وليس لهم سابقة في العلم والدعوة

    2-الحرص كل الحرص على وحدة الأمة واجتماع الكلمة والالتزام بالبيعة لولي الأمر والسمع والطاعة بالمعروف ، ونبذ التنازع واحتمال المخالف فيما يسوغ فيه الخلاف ، وعدم فسح المجال لمن يريد شق الصف وتفريق الكلمة وزعزعة أمن هذه البلاد المباركة – حرسها الله – أو الإفساد فيها  كائناً من كان وتحت أي حجة  فإن الأعداء لم يستطيعوا دخول أي بلد اسلامي  إلا بعد أن فرقوا كلمة أهله  ..

    3- الحذر الحذر مما تبثه وسائل الإعلام العربية والمحلية-مع الأسف- إلا من رحم الله وقليل ما هم  ، والتي جندت أجهزتها ورجالها وأموالها  وخبرتها الطويلة لإفساد الأمة وزرع الفرقة بين أبنائها ، وتشويه عقيدتهم وصدهم عن دين الله من خلال أخبار وتقارير كاذبة ومزيفة ، وأفلام تظهر أهل التدين والاستقامة من أهل السنة بمظهر التخلف والقسوة وحب الإجرام لتنفير الناس عنهم .. ألا فاقطعوا الطريق على هذه القنوات ؛ احذروا أن تصل إلى أهاليكم وأولادكم فتضلهم وأنتم غافلون ، طهروا بيوتكم من هذه النوافذ الخبيثة .

    6- على الجميع أن يتقوا الله تعلى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه في كل صغيرة وكبيرة فإن الله تعالى قال:(وإن تصبروا وتتقوا لا يذركم كيدهم شيئا)،

    كما عليهم أن يتعاهدوا القيام  بضمانة الأمان من الهلاك إلا وهو القيام بواجب النصح والإصلاح قال تعالى( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) ؛ عليهم رجلا ونساء أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ويدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وبحسب استطاعاتهم .

     الله أكبر ..

    وأخيراً أبشروا وأملوا –أيها المسلمون - واتقوا ربكم وأحسنوا الظن به سبحانه ؛ وقد وعدكم ربكم خيرا إن أنتم التزمت شرعه وامتثلتم أوامره -ومن أوفى بوعده من الله –وها أنتم رغم المآسي والجراح تسمعون بشائر الخير في كل مكان ، وترون بروق النصر تلوح وتلمع في أرض الشام واليمن المباركتين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ، لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ)

    بارك الله لي ولكم في القرآن اعظيم..

     

    الخطبة الثانية :

    الحمد لله معيد الجمع والأعياد، ومبيد الأمم والأجناد، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا مضاد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المفضّلُ على جميع العباد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التناد، وسلم تسليمًا

    أما بعد:فيا أيها المسلمون والمسلمات أخرج البخاري ومسلم -رحمهم الله- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ،رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ،قال خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَضْحًى،أَوْ فِطْرٍ إِلَيَ الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ )

    وتأسيا برسول الهدى وخير الورى (صلى الله عليه وسلم) في مثل هذا المجمع العظيم أنقل الحديث إليكن أيتها الأخوات الفاضلات ؛ فأقول لقد حذركن الحبيب صلى الله عليه وسلم من النار ، وبين وهو الصادق المصدوق أنكنَّ أكثرَ أهلِها ؛ فما أنتنّ صانعات لتوقيها والنجاةِ من عذابها ؟؟؛ أولا تعلمُنّ أنها شرُ دار، وعذابها شرُ عذاب، نعوذ بالله من غضبه وأليم عقابه.

    فيا أمة الله يا من تريدين النجاة من النار ، اصبري وصابري وجاهدي نفسك على الاستقامة على دين الله ، احذري ثم احذري أن تغتري بما عليه أكثرُ النساء فإنهن أكثرُ أهلِها كما سمعت ؛

    ألا فالتزمي بتعاليم دينِك وعَضي عليها بالنواجذ فثم العز والفلاح في الدنيا والآخرة ، اربئي بنفسك أن تكوني أذنا صاغية للحثالة من دعاة الضلال الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، اثبتي يا أيتها المسلمة الطاهرة على ما يرضي الله ولا تبالي بالخلق رَضُوا أم سَخِطوا ، أُعجبوا أم سَخِروا فإنهم لن يغنوا عنكِ من الله شيئا ، دعي عنك التبرجَ والسفور ، الزمي بيتَك إلا لما لابد منه ،

    ركزي على تربية أولادك على الإيمان وحب القرآن ، نشئيهم تنشئة  صالحة لينفعوا أنفسهم وينفعوك في الدنيا والآخرة ،

     احفظي مالَك ومالَ زوجِك لا تهدريه في الكماليات الزائدة فضلاً عن الفاتنة المحرمة  ؛ حرام والله حرام ، وعار والله عار أن تموت طائفة من المسلمين جوعاً ونساؤنا يبذرن الأموال الطائلة في متابعة الموضات المحرمة والكماليات الزائدة .، ثقي تماماً أيتها المصونة أن السعادةَ و رضاءَ الناسِ وإعجابَهم لا يمكنُ أن تنالَ بسخط الله أبداً

    الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد!   

    أيها المسلمون والمسلمات : ما أجمل أن نجعل من عيدنا فرصة لتجديدِ العهدِ مع ربنا للقيام بحق والدينا واستغلالِ وجودِهما على قيد الحياة للفوز بجنة ربنا ؛ فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ». قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ »ولنجعله فرصة لتجديد العهد معه سبحانه لصلة أرحامنا ،وتفقدِ أحوالِهم وقضاءِ حوائجهم لنفوز بالوعد الكريم من ربنا ؛قال صلى الله عليه وسلم:(مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )متفق عليه.

    عباد الله :ما أجمل أن يكون العيد فرصة لصلة المتهاجرين والتقاء المتقاطعين ورحم الله من أعان على ذلك ، فاجعل هدية العيد لهذا العام عفو وصفح وغفران فإن الرجل الكريم هو من يعفو عن الزلة ولا يحاسب على الهفوة ؛قال تعالى في صفات المتقين "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ ، عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " ، وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال:( ثلاث أقسم عليهن ؛ وذكر منها: وما زاد الله عبداً بعفو إلى عزا ) رواه مسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم (لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِى يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ) .متفق عليه

    ما أجمل أن نظهر معالم الأخوة في عيدنا بمد يد العون للمحتاج ورسم البسمة على وجوه البائسين .. وفي غمرة الفرح والسرور لاتنسوا إخوة لكم في القبور وآخرين على الثغور وإخوة يصارعون الأمراض والأدواء وآخرين في السجون يتمنون اللقاء فأمدوهم بالدعاء من قلوب مخبتة 0

    الله أكبر ..

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ..

    ،اللهم إن عبادك خرجوا إلى هذا المكان يرجون ثوابك وفضلك، ويخافون عذابك ،اللهم حقق لهم ما يرجون، وأمَّنهم مما يخافون ، اللهم ألّف على الخيرِ قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، واهدهم سبل السلام .

    اللهم أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا ، وأن نعمل صالحا ترضاه ، , وأصلح لنا في ذرياتنا وأزواجنا ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين

    ،اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا وبعد أن أدينا شعيرة من شعائرك أن تقضي على الفساد والمفسدين اللهم أقضي على الفساد والمفسدين اللهم أجعل كيدهم في نحورهم وتدبيرهم تدميرا عليهم يا رب العالمين،اللهم مد الساهرين على أمننا وراحتنا بعونك وتوفيقك، وسدد آراءهم وخططَهم وبارك في أعمالهم وجهودهم وأربط على قلوبهم واكشف لهم كل غامض وأنصرهم على كل مفسد ومخرب ومحارب ، اللهم أحمي بلاد الحرمين من شرور المعتدين ونيل المجرمين وكف البأس عن هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين .

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين ..  اللهم انصر المجاهدين في سبيلك

    اللهم انصر جنودنا في حدودنا الجنوبية على الحوثيين الروافض اللهم سدد سهامهم وقوي عزائمهم ..

    اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان ..

    اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، اللهم وفق إمامنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحب وترضى وخذ بناصيته للبر والتقوى ، اللهم وفقه ونائبيه وإخوانه وأعوانهم إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد، اللهم اجعلهم مفاتيح للخير مغاليق للشر ، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة ..

    اللهم من أراد ببلادنا وسائر بلاد المسلمين سوءا فأشغله في نفسه ..

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر .. اللهم ادفع عنا الغلا ..

    اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك..

    اللهم اجمع شمل إخواننا في فلسطين وفي بلاد الشام والعراق واليمن وليبيا وأركان وفي كل مكان على الحق ووحدة كلمتهم وألف بين قلوبهم واجعل ولايتهم في خيارهم وانصرهم على من أرادا بهم شرا يارب العالمين

    اللهم ارحم ضعف إخواننا المنكوبين في هذه البلدان وارفع ما حل بهم ، اللهم اطعم جائعهم ، وأكسي عاريهم ، واشف مريضهم ، وارحم موتاهم واجبر مصابهم .

    اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ،

    اللهم تب على التائبين

    اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة ..

    اللهم أنزل من بركات هذا اليوم على أهل القبور من المسلمين في قبورهم ، وعلى أهل الدور من المسلمين في دورهم ، وعلى المجاهدين والمرابطين في الثغور من المسلمين في ثغورهم إنك جواد كريم  .. 

    الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

     سبحان ربك رب العزة ..

     

    التفاصيل
    0
    671
  • الوطنية من منظور إسلامي
  • بسم الله الرحمن الرحيم

    الوطنية من منظور إسلامي

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله  وصحبه أجمعين، وبعد:

    فإن مما لا يختلف فيه الناس، عربهم وعجمهم، مسلمهم وكافرهم، أن حب الوطن غريزة فطرية جُبلت في النفوس وغرست في القلوب.

    فالمتأصل عند الإنسان عشقه لوطنه، وتشبثه بالبقاء فيه والعيش بين جنباته، وعدم رغبته في مفارقته، وإن قدر له الخروج منه فإنه لايكاد ينقطع حنينه إليه. لا يقبل من أحد أن ينتقصه بلفظه فضلًا عن أن يعتدي عليه بفعله .. وعلى هذا تواطئت الأمم، يقول الأصمعي: (قالت الهند: ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوانات، الإبل تحن إلى أوطانها، وإن كان عهدها بها بعيدًا، والطير إلى وكره، وإن كان موضعه مجدبًا، والإنسان إلى وطنه، وإن كان غيره أكثر نفعًا).

    وقيل لأعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان.

    قيل: فما الذلة؟ قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان.

    ويقول الشاعر:

     كم منزل في الأرض يألفه الفتى                   وحنينه أبدًا لأول منزل                           

    وأصدق منها قوله تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم. لاحظ قرن بين حب الديار، وحب النفس، مما يدل على أن كلا منهما متأصل في نفس الإنسان عزيز عليه.

    إن حب الوطن ليس عيبًا ولا يتنافي مع الدين؛ بل ربما يكون من الدين إذا استحق الوطن ذلك وخلصت النية، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة، أوضع ناقته -أي أسرع بها- وإذا كانت دابة حركها من حبها»رواه البخاري -رحمه الله تعالى- قال ابن حجر -رحمه الله تعالى– وغيره: (فيه دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن، والحنين إليه).

    وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لمكة: «ما أطيبك من بلد، وما أحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك»رواه الترمذي وغيره، وصححه الألباني –رحمهم الله تعالى- ولما تحتم عليه البقاء في المدينة ومفارقة وطنه كان من دعائه –صلى الله عليه وسلم-: «اللهم حبب إلينا المدينة، كحبنا مكة، أو أشد»أخرجه البخاري – رحمه الله تعالى- .

    ولئن كانت مقولة: ( حب الوطن من الإيمان ) لا تصح حديثًا؛ فإن ذلك لا يعني أن الإسلام لم يُعن بالوطن ولم يُعر الوطنية أي اهتمام كلا، بل إن جلّ تعاليمه إنما جاءت منصبة في هذا الجانب؛ أعني الوطنية؛ لكن بالمفهوم الصحيح المفهوم المنتج المثمر المفيد، لا بالمفهوم الماكر أو الساذج أو الجاهل الذي اختزل الوطنية في شعارات ورموز جوفاء خاوية في إنشودة أو نغمة أو صورة .. أو غيرها مما لا يمت إلى الإسلام ولا العروبة بصلة، شعارات ورموز ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب جُعلت معاقد للولاء والبراء، من رد شيئًا منها ولو لمانع شرعي فكأنما ارتكب ناقضًا من نواقض الوطنية، أصحابها الماكرون –دعك من السذج أو الجاهلين– أسرع الناس تنكرًا لأوطانهم وأكثرهم ولاء للغرباء والأعداء.

    شعارات ورموز جُربت في أوطان كثيرة وأثبت التاريخ والواقع فشلها في تحقيق الوطنية الصادقة، لا تجمع صفًا، ولا توحد كلمة، ولا تنمي ولاء، لا للوطن ولا لقيادته، ومن نظر إلى العراق كمثال حي كيف حاله؟ تبين له بجلاء القيمة التافهة لتلك الشعارات السخيفة، فماذا أغنت عنه تلك الشعارات، وتلك الأهازيج ،أو تلك الصور والتماثيل التي كانت تعجّ بها ميادينه وشوارعه، هل وحدت الناس فيه لصد العدوان عنه؟، هل جمعت فرقته بعد تمزيقه؟، هل أعادت له قيادته بعد سقوطها ؟!! إن هذه الشعارات إنما جلبت لبلاد المسلمين من أجل اتخاذها سهامًا لتمزيق وحدتها وقتل الفضائل فيها، ذلك لأن مروجيها يعلمون موقف أهل الغيرة على الدين منها ؛ لمناقضة كثير منها لتعاليمه، فأرادوا إسقاطهم بحجة عدم الولاء للوطن زورًا وبهتانًا؛ ومن ثم يخلو لهم الجو لتحقيق مآربهم الخبيثة ..

    إن الوطنية بالمفهوم الصحيح المنتج المثمر إنما تعني توحيد الصف واجتماع الكلمة وقد أمر الإسلام بذلك، كما تعني السمع والطاعة لولاة الأمر في المنشط والمكره والعسر واليسر، وقد قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾، وعن عبادة بن الصامت –رضي الله عنه- قال: «دعانا النبي -صلى الله عليه وسلم- فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا علي السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا، ويسرنا، وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروْا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان».  أخرجه البخاري –رحمه الله تعالى– قال النووي –رحمه الله تعالى-: (ومعني الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم، وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة أو ظالمين).

    كما تعني الوطنية في مفهومها الصحيح الوقوف مع ولاة الأمر ضد من يريد الخروج عليهم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» أخرجه مسلم –رحمه الله تعالى- وغيره.

    وتعني: المحافظة على الأمن وقطع دابر الفساد أيًا كان مصدره، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌوتعني: كف الأذى عن أبناء الوطن ومن دخله بأمان، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيام» أخرجه أبو داود وصححه الألباني –رحمهم الله تعالى- .

    وتعني: بذل النصيحة للجميع وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» أخرجه مسلم –رحمه الله تعالى- .

    وتعني: محبة الخير للمسلمين، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» متفق عليه.

    والتعاون معهم على الخير، قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ

    وتعني: عدم التعدي على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، قال -صلى الله عليه وسلم-: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» متفق عليه.

    وتعني: أداء الأمانة والقيام بواجب المسؤلية، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته» متفق عليه.

    وتعني: نبذ التحزب والعنصرية، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا.

    وتعني: المحافظة على مدخرات الوطن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.

    وتعني: الالتزام بالعقود وحسن التعامل، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

    إلى غير ذلك مما تعنيه الوطنية بمفهومها الصحيح المثمر، وما ذكرناه من تعاليم الإسلام المرسخة لهذه المفاهيم إنما هو فيض من غيض غزير لا ينضب أبدًا ..

    وإننا إذا أدركنا ذلك جيدا، تبين لنا السبيل الأقوم لإذكاء الوطنية بمعناها الصحيح في النفوس وترسيخها في القلوب، بل وجعلها عبادة وقربة يتقرب بها الناس إلى ربهم كما يتقربون بسائر العبادات من صلاة وصيام وزكاة وغيرها، ويمارسونها بصدق وإخلاص ودون رقابة سوى رقابة الضمير المؤمن الحي، ألا وهو الاعتصام بحبل الله والانقياد لأمره والاستسلام لقضائه وتطبيق شرعه في كل صغيرة وكبيرة، وربط الناس بدينهم وتبصيرهم بتعاليمه الصحيحة .

    وإذا كانت الأوطان تحب لمجرد كونها مساقط الرؤوس ومدارج الصبا ومراتع الشباب ، فإن الوضع في وطننا يختلف كثيرا، ذلك أنه –ولله الحمد والمنة– يحوي في ثراه أطيب البقاع وأقدسها، ومنه شعّ النور الذي أضاء الكون، وفيه قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وإليه يأرز الإسلام، وفيه من الخير الكثير ما الله به عليم.

    ولذا فإن على المسلمين في هذه البلاد أن يدركوا عظم هذه النعم ويشكروا الله عليها، ومن تمام شكره –سبحانه- التعاون على تطبيق شرعه وتحكيم كتابه وامتثال أمره واجتناب نهيه في جميع شئونهم،  ولا يتم ذلك إلا بالاعتصام بالله وتوحيد الصف وجمع الكلمة والتزام البيعة لولي الأمر وبذل النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمحافظة على الأمن، ففي ظل الأمن تعمر المساجد وتقام الصلوات، وتحفظ الأعراض والأموال والحقوق، وتحقن الدماء، وتأمن السبل، وينتشر الخير، ويعم الرخاء، وتقام الحدود، وتنشر الدعوة، وتطبق شريعة الله، وفي المقابل فإن في اختلاف الكلمة وشق عصا الطاعة والتنكر للبيعة واختلال الأمن؛ إثارةً للفتنة, وإشعالًا للصراع الداخلي الذي يؤدي إلى الفشل وإذهاب القوة, ويشتت الجهود ويهدر المكتسبات, ويعيق التقدم والنمو في جميع المجالات, ويؤخر مسيرة العلم والدعوة والإصلاح، ويفتح الباب أمام أصحاب الأهواء والنزعات العقائدية أو الإقليمية أو القبلية أوغيرها لتحقيق مآربهم في تقسيم البلاد وبسط نفوذهم، والأدهى والأمر أن ذلك غاية ما يتمناه الأعداء ليمنحهم الفرصة للتدخل في شئون البلد بحجة إعادة الأمن إليه أو الوقوف مع الأقليات أو تأمين المصالح الدوليه أو القضاء على الإرهاب أو غير ذلك من الذرائع الآثمة والحجج الواهية التي يخادعون بها المسلمين ! كما حصل في كثير من بلاد المسلمين ومن آخر ذلك ما حصل في أفغانستان ثم العراق.

    أسأل الله أن يديم على بلادنا إيمانها وأمنها وعزها ورخائها، وأن يحفظها من فساد المفسدين وكيد الحاقدين، وأن يوفق ولاة أمرها لما فيه صلاح البلاد والعباد، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    كتبه / أد. محمد بن عبد الله المحيميد                                8/8/1426هـ                 

         

     

    التفاصيل
    0
    1195
  • أثر الذنوب والمعاصي
  • أثر الذنوب والمعاصي

    الحمد لله والصلاة، والسلام على رسول الله، وعلى آله ومن والآه، وبعد:

    تشتكى شريحة كبيرة من الناس من عدم التوفيق والنجاح في كثير من أمورهم  ومن القلق النفسي وعدم الارتياح في كثير من أحوالهم، رغم الاجتهاد، والحرص على توفير الأسباب، ويعزو الكثير منهم ذلك إلى سوء الحظ أو عدم ملائمة الظروف ونحو ذلك. في نظرات مادية بحتة وعمليات حسابية جامدة. وكأن النجاح والتوفيق والأمن والطمأنينة النفسية مرهون تحقيقها بتحقق أسبابها المادية فحسب. ألا فليعلم الجميع أن أعظم عائق للتوفيق والنجاح، وأكبر مانع من تحقيق الطمأنينة والارتياح مهما توفرت الأسباب؛ هو التلبس بالذنوب والمعاصي. أجل إن الذنوب والمعاصي ضررها عظيم في الحال والمآل فما من شر وداء في الدنيا والآخرة إلا سببه الذنوب والمعاصي؛ فبسببها أخرج آدم -عليه الصلاة والسلام- من الجنة، وأخرج إبليس من ملكوت السموات، وأهلكت الأمم السابقة.

    وللمعاصي آثار وشؤم، فهي تزيل النعم وتحل النقم قال أمير المؤمنين -علي بن أبي طالب- رضي الله  عنه-: (ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة)، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الأنفال: 53)، وروى أحمد –رحمه الله- عن ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه».

                     إذا كنت في نعمة فارعها       فإن المعاصي  تزيل النعم

    ومن آثار المعاصي أنها تضعف الحفظ وربما أذهبته، وتحرم صاحبها العلم كما قال الإمام الشافعي -رحمه الله-:

        شكوت إلى وكيع سوء حفظي       فأرشدني إلى ترك المعاصي

             وقال اعلم بأن العلم نــور       ونـور الله  لا يؤتاه عاصي

    وصدق -والله-؛ فقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30).

    فهل راجعنا أنفسنا، إذا لم نجد معاملة طيبة من بعض أهلنا أو معارفنا، أو لم نوفق في أعمالنا، أو أخفقنا في امتحاناتنا، وهل سألنا عن السر في تثاقلنا عن الصلاة، وشحنا في الصدقات، وعن مقارفتنا لشيء من المعاصي والمنكرات، هل وقفنا مع أنفسنا وتأملنا ذلك ونحوه ووصلنا إلى معرفة أسبابه الحقيقية؟

    إن كنا لم نقف بعد فلنستمع لخبر من وقفوا: فهذا الفضيل بن عياض –رحمه الله- يقول: (ما عملت ذنبا إلا وجدته في خلق زوجتي ودابتي)، ومراده -رحمه الله- أن خلق زوجته ودابته يتغير إلى الأسوأ بسبب الذنب الذي ارتكبه، وقال أحد السلف -رحمه الله-: (نسيت القرآن بذنب عملته منذ أربعين سنة)، وقال رجل للحسن -رحمه الله-: يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري فما بالي لا أقوم فقال: (ذنوبك قيدتك)، وقال الحسن أيضا -رحمه الله-: (إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل)، وقال الثوري -رحمه الله-: (حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته)، وقال بعض السلف -رحمه الله-: (كم من أكلة- يعني من حرام- منعت قيام ليلة، وكم من نظرة -يعني حرام- منعت قراءة سورة).

    ألا فلنتقي الله، ولنجاهد أنفسنا على ترك الذنوب والمعاصي، ولنحذر الاستخفاف بها مهما صغرت في أعيننا؛ فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:«إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» رواه أحمد-رحمه الله–وغيره، ولنعلم أننا متى اتقينا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه؛ فإن عاقبة ذلك التوفيق والنجاح في جميع أمورنا والفلاح في دنيانا وأخرانا كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (الأحزاب:70,71)

    اللهم ارحمنا بترك المعاصي أبدا ما أبقيتنا، وارحمنا من أن نتكلف ما لا يعنينا، وارزقنا حسن النظر فيما يرضيك عنا.

    وصلي اللهم على نبينا محمد وآله وسلم .

                                                            كتبه/أد.محمد بن عبد الله المحيميد                               

     

    التفاصيل
    0
    650
  • كيف تعمر الأوطان
  • بسم الله الرحمن الرحيم

    كيف تعمر الأوطان

    الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله ومن والاه, وبعد:

    سنة كونية قدرية لا يعمر البلدان – بعد توفيق الله- إلا أبناؤها ولا تشمخ البلدان إلا برجالها متى ما لبسوا لباس التقوى وتزينوا بزينة الإيمان، وأخذوا بأسباب التقدم ووسائل الرقي، فشمروا عن ساعد الجد, وسابقوا الزمن, وواكبوا مستجدات العصر، في ظل جو أخوي تسود فيه الألفة والمحبة والإيثار وإنكار الذات مع الإخلاص والصدق، والمحافظة على الحقوق، والاحترام المتبادل, والتعاون على البر والتقوى, ومحبة الخير للجميع، والتنافس المحمود الذي يشحذ الهمم, ويحرك المواهب, وينمي القدرات ,ويبرز الإبداعات، فينعم الناس في بلدهم بحياة طيبة هانئة مطمئنة مهما كانوا فيه من شظف العيش وقلة وسائل الحضارة قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَسورة النحل آية (97)، وقال:﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَسورة الحشر آية (9)

    وثم سنة كونية أخرى لا يهدم البلدان إلا أبناؤها ولا تسقط إلا برجالها متى ما ركن الأخيار إلى النوم والدعة والغفلة والتغافل، وتحزموا بأحزمة التواكل والجمود ، ورفع الفساق والأشرار معاول النقض والتدمير في ظل تنافس مذموم يذكي العداوات ويبعث الأحقاد وينمي البغضاء والحسد، ويرسخ الأنانية وتعظيم الذات، تسود فيه العنصريات والمحسوبيات والإسقاطات والإقصاءات، ويتفشى فيه الكذب والغيبة والنميمة؛ فتتكدر الحياة فيها وتضيق على أهلها مهما كانوا فيه من سعة عيش ووسائل ترف, قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًاسورة الإسراء آية(16)

     فهلا نتفطن إخوتي وأخواتي في الله لهذه السنن الربانية ، ونحرص جاهدين على مواصلة مشوار سلفنا من الآباء والأجداد في عمارة بلدنا من خلال الأخذ بأسباب البناء والتعمير، والحذر من أسباب ووسائل الهدم والتدمير ، أرجو ذلك, مع تمنياتي للجميع التوفيق والنجاح .

                                                  أد. محمد بن عبد الله المحيميد

     

    التفاصيل
    0
    653
أبحاث
  • أحكام اللباس المتخذ مما حرم أكله من الحيوانات
  • أحكام اللباس
    المتخذ مما حرم أكله من الحيوانات

     

     

     

     

     

     

     

    تأليف

    أ0د. محمد بن عبدالله بن محمد المحيميد

    الأستاذ في قسم الفقه في كلية الشـريعة

    والدراسات الإسلامية في جامعة القصـيم

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     


     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     


     


     


    الـمقدمــــــة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشـرف الأنبياء المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.                                                       وبعد:

    فقد كرم الله تعالى بني آدم، وفضلهم على كثير ممن خلق، وسخر لهم ما في السماوات والأرض؛ ليعينهم على البقاء في الأرض وعمارتها، وتحقيق الهدف من خلقهم، وهو عبادته ـ.

    ومن أعظم ما سخر لهم سبحانه ألبسة يتخذونها من جلود الحيوانات وغيرها، تستر عوراتهم، وتحفظ أبدانهم، ويتجملون بها لبعضهم، قال تعالى: *ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ&([1])، وقال سبحانه:  *ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ&([2]).

    وقد بين لهم ـما يحل لهم منها وما يحرم.

    ولقد توسع الناس في هذا الزمن فيما يتخذونه من الحيوانات لألبستهم وزينتهم، من الشَّعْر وَالصُّوف، وَالْـوَبَر وَالرِّيش، وَالْـعَظْم وَالْـقَرْن، وَالسِّنّ والظُفُر، وَالظِّلْف والخُف، والحَافِر وَالْـعَصَب، والمُصْـران، وغيرها. وهذا بفضل ما يسـر الله لهم من الوسائل التي تمكنهم من اقتنائها ونقلها، والسـيطرة على المتوحش منها من السباع وغيرها، وتصنيع ما يتخذونها منها، واستعماله في اللباس وغيره.

    وبما أنه قد اختلط الكفار بالمسلمين في كثير من الدول، وشاع التعامل بينهم، واعتمد كثير من المسلمين في صناعة ألبستهم وغيرها على الكفار فإن هذا الأمر يحتم بيان وتفصـيل ما يحل منها وما يحرم على المسلمين؛ وذلك نظرًا لكثرة الأسئلة عن أحكام اللباس المتخذ من الحيوانات المحرم أكلها.

    ومن هنا جاء هذا البحث الموسوم بـ(أحكام اللباس المتخذ مما حرم أكله من الحيوانات)؛ لعله يساهم في الإجابة على بعض الأسئلة التي تطرح في هذا الجانب الهام من جوانب الفقه الإسلامي، وذلك من خلال جمع أقوال العلماء في هذه المسألة، وعرض أدلتهم، وأوجه الاستدلال منها، وما ورد عليها من مناقشات أو اعتراضات، والإجابات عليها. ومن ثم أجتهد في بيان الراجح من هذه الأقوال، ملتزمًا منهج البحث العلمي المتبع.

    وقد قسمت هذا البحث إلى ما يلى:

    التمهيد،وتحته مطلبان:

    المطلب الأول: المقصود باللباس.

    المطلب الثاني:المقصود بما حرم أكله من الحيوانات.

    المبحث الأول: أحكام جلود ما حرم أكله من حيث الطهارة والنجاسة،وتحته ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى:جلود ما مات حتف أنفه ولم يدبغ.

    المسألة الثانية:ما دبغ من جلود ما مات حتف أنفه.

    المسألة الثالثة:جلود ما ذكي منها ولم يدبغ.

    المبحث الثاني: حكم ما سوى الجلود مما يمكن استعماله في اللباس من حيث الطهارة والنجاسة وجواز الانتفاع بها،وتحته مطلبان:

    المطلب الأول:المتخذ منها من الخنزير.

    المطلب الثاني: المتخذ مما سوى الخنزير.

    المبحث الثالث: حكم الانتفاع بما يتخذ مما حرم أكله من الحيوانات في اللباس،وتحته مطلبان:

    المطلب الأول:حكم الانتفاع بما اتخذ أو صنع من الجلود، وتحته ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى:حكم الانتفاع بما اتخذ أو صنع من الجلود غير المدبوغة مما مات حتف أنفه.

    المسألة الثانية:حكم الانتفاع بما اتخذ أو صنع من الجلود غير المدبوغة مما ذكي.

    المسألة الثالثة: حكم الانتفاع بما اتخذ أو صنع من الجلود المدبوغة مما مات حتف أنفه.

    المطلب الثاني:حكم الانتفاع بما يتخذ مما حرم أكله من الحيوانات في اللباس، وتحته فرعان:

    الفرع الأول: حكم لبس ما اتخذ أو صنع من الجلود.

    الفرع الثاني: حكم الانتفاع بما اتخذ أو صنع مما سوى الجلود مما يمكن استعماله في اللباس، (من الشَّعْر، وَالصُّوف، وَالْـوَبَر، وَالرِّيش، وَالْـعَظْم، وَالْـقَرْن، وَالسِّنّ، والظُفُر، وَالظِّلْف، والخُف، والحَافِر، وَالْـعَصَب، والمُصْـران، والكِرْش، والمثانة).

    الخاتمة،وتتضمن خلاصة لحكم الانتفاع بما يتخذ ويصنع مما حرم أكله من الحيوانات في اللباس.

    فهرس المصادر والمراجع.

    فهرس الموضوعات.

    أسأل الله أن يجعل هذا البحث خالصًا لوجهه الكريم، ونافعًا لعباده المؤمنين؛ إنه جواد كريم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وسلم.

    محمد بن عبدالله بن محمد المحيميد

    1437هـ

     


     

     

     

     


    التمهيد
    بيان المقصود بالعنوان

     وتحته مطلبان:

    المطلب الأول: المقصود باللباس.

    المطلب الثاني: المقصود بما حرم أكله من الحيوانات.

     



     


    المطلب الأول
    المقصود باللباس

    اللِّبَاسُ مِن المُلاَبَسَةِ، أَي: الاخْتِلاطُ والاجْتِمَاعُ، وَمن المَجَازِ قولُه تعالَى: *ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ&([3]). قيل: هُوَ الإِيمانُ. قالَه السُّدِّيُّ. أَو الحَيَاءُ. وَقد لبِسَ الحيَاءَ لِبَاسًا: إِذا إسْتَتَر بِهِ. نقلَه ابنُ القَطّاع.

    وَقيل: هُوَ العَمَلُ الصالحُ، أَو سَتْرُ العَوْرَةِ، وَهُوَ سَتْرُ المُتَّقِين، وإِليه يُلْمِحُ قولُه تَعالَى: *ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ&([4]). مما يَدُلُّ عَلَى أَنّ جُلَّ المَقْصِدِ منِ اللِّبَاسِ سَتْرُ العَوْرَةِ، وَمَا زادَ فتَحَسُّنٌ وتَزَيُّنٌ، إِلاّ مَا كَانَ لِدَفْع حَرٍّ وبَرْدٍ.

    وَالزَّوْج وَالزَّوْجَة كل مِنْهُمَا لِبَاس للْآخر، وَفِي التَّنْزِيل الْـعَزِيز: *ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ&([5]).

    ولباس كل شَـيْء غشاؤه، و"لِبَاس النُّور": أكمته، و"لِبَاس التَّقْوَى": الْـإِيمَان أَو الْـحيَاء أَو الْـعَمَل الصَّالح.

    واللباس -بكسـر اللام-: ما يستر الجسم، أو ما يلبس من كسوة. جمعه ألبسة.

    ويقال: لبس الثوب لبسًا، وتلبّس بلباس حسن، ولباسًا حسنًا، وعليه ملبس بهيٌّ، ولبوس من ثوب أو درع، وعليهم ملابس ولبس([6]).

    والمقصود هنا:ما يستر الجسم، أو يغطي بعض أعضائه، نحو أغطية الرأس، أو ما تستر به اليدين أو الرجلين، وما يتخذ من الأحذية والخفاف، وكذا ما يتخذ من الحلي ووسائل التزين التي يجمل بها البدن.


     

    المطلب الثاني
    المقصود بما حرم أكله من الحيوانات

    يقصد بما حرم أكله من الحيوانات ما يلي:

    1-ما سوى مباح الأكل من الحيوانات، كالفيل والقرد والخنزير والحمر الأهلية والبغال، وكذلك سباع البهائم، مثل: الأسد والفهد والنمر وَالذِّئْب والدب والقرد والفيل والتمساح، ونحوها مما له ناب يفترس به، وكذلك سباع الطير، مثل: النسـر والصقر والبازي والحدأة، ونحوها مما له مخلب.

    2-ما مات حتف أنفه أو بذكاة غير شـرعية من مباح الأكل من الحيوانات.

     

     

     


     



     

     

     

     


    المبحث الأولأحكام جلود ما حرم أكله
    من حيث الطهارة والنجاسة

     

    وتحته ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: جلود ما مات حتف أنفه ولم يدبغ.

    المسألة الثانية: ما دبغ من جلود ما مات حتف أنفه.

    المسألة الثالثة: جلود ما ذكي منها ولم يدبغ.

     

     



     


    المسألة الأولى
    جلود ما مات حتف أنفه ولم يدبغ

    لا خلاف بين الفقهاء في نجاسة جلود ما مات حتف أنفه من الحيوانات ولم يدبغ([7]).

    واستدلوا بما يلي:

    1-عـن عبدالله بن عباس بقال: سمـعت رسول الله ^يقول: «إذا دبغ الإهاب([8])فقد طهر»([9]).

    2-عَنِ ابن عباس أيضًا بقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ^يَقُولُ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»([10]).

    ووجه الدلالة:

    أن قوله ^: «إذا دبغ الإهاب» يقصد به ما لم يكن طاهرًا من الأهب، كجلود الميتات؛ لأن الطاهر لا يحتاج إلى الدباغ للتطهير؛ إذ من المحال أن يقال في الجلد الطاهر: إذا دبغ فقد طهر.

    وفي قوله ^: «فقد طهر» دليل على أن كل إهاب لم يدبغ ليس بطاهر، وإذا لم يكن طاهرًا فهو نجس([11]).


     

    المسألة الثانية
    ما دبغ من جلود ما مات حتف أنفه

    وقد اختلفوا فيها على أقوال، كما يلي:

    القول الأول: أنها تطهر بالدباغ مطلقًا، حتى الكلب والخنزير.

    وإليه ذهب الظاهرية([12])، والليث بن سعد([13])، وأبويوسف من الحنفية([14])-رحمهما الله-.

    واستدلوا بما يلي:

    1-عـن عبدالله بن عباس بقال: سمـعت رسول الله ^يقول: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»([15]).

    2-عن سلمة بن المحبق الهذلي اأن النبي ^قال: «دباغ الأديم ذكاته»([16]).

    3-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ^يَقُولُ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»([17]).

    4-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بقَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ ^يَتَوَضَّأُ مِنْ سِقَاءٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «دِبَاغُهُ يُذْهِبُ خَبَثَهُ، أَوْ رِجْسَهُ، أَوْ نَجَسَهُ»([18]).

    ووجه الدلالة:

    أن لفظ «الإهاب» و«الأديم» وقوله: «أيما إهاب» ألفاظ عامة، ولم يخص شـيئًا منها، فتدخل فيها أهب وأدم الحيوانات كلها، بما في ذلك الكلب والخنزير([19]).

    قال ابن بطال /: (وحجة القول الأول الذى عليه الجمهور: أنه معلوم أن قوله ^: «إذا دبغ الإهاب» هو ما لم يكن طاهرًا من الأهب، كجلود الميتات، وما لم تعمل فيه الذكاة من الدواب والسباع؛ لأن الطاهر لا يحتاج إلى الدباغ للتطهير. ومحال أن يقال في الجلد الطاهر: إذا دبغ فقد طهر.

    وفي قوله ^: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» نص ودليل. فالنص منه طهارة الإهاب بالدباغ. والدليل منه أن كل إهاب لم يدبغ فليس بطاهر، وإذا لم يكن طاهرًا فهو نجس، والنجس محرم. وإذا كان ذلك كذلك كان هذا الحديث مبينًا لحديث ابن عباس([20])، وبطل بنصه قول من قال: إن جلد الميتة لا ينتفع به بعد الدباغ)([21]).

    ونوقش بما يلي:

    أولًا:إن في قصة هذه الأحاديث دلالة على أنه في جلد ما يؤكل لحمه([22]).

    ويمكن الإجابة عن ذلك:بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

    ثانيًا: لو سلمنا بالعموم فقد خصـص بما يلي:

    1-بالنسبة لجلود السباع خصص بالأحاديث التالية:

    -      عَنْ أَبِي الْـمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ الهذلي عَنْ أَبِيهِ ا: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ^نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ»([23]).

    -    وَفَد الْـمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِيَكْرِبَ اعَلَى مُعَاوِيَةَ افقَالَ لَهُ: «أَنْشُدُكَ بِاللهِ! هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ^نَهَى عَنْ لُبُوسِ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ»([24]).

    ووجه الدلالة من الحديثين:أن هذا النهي عام في المدبوغ من جلود السباع وغير المدبوغ([25]).

    وأجيب على ذلك بأجوبة، منها:

    ‌أ-   بأن غَايَةَ مَا فِيهَما مُجَرَّدُ النَّهْيِ عَنْ الرُّكُوبِ عَلَيْهَا وَافْتِرَاشِهَا، وَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ، كَمَا لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الذَّهَبِ وَالْـحَرِيرِ وَنَجَاسَتِهِمَا([26]).

    قال في شـرح مشكل الآثار: (قَالَ أَبُوجَعْفَرٍ: وَكَانَ فِيمَا قَدْ رُوِّينَاهُ فِي الْـبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْـبَابِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ^مِنْ قَوْلِهِ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» مَا قَدْ عَمَّ بِهِ الْـأُهُبَ كُلَّهَا، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ جُلُودُ السِّبَاعِ، وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّا قَدْ عَمَّهُ رَسُولُ اللهِ ^بِذَلِكَ الْـقَوْلِ إِلَّا بِمَا يُوجِبُ لَهُ إخْرَاجُهُ بِهِ، مِنْ آيَةٍ مَسْطُورَةٍ، وَمِنْ سُنَّةٍ مَأْثُورَةٍ، وَمِنْ إجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْـعِلْمِ عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَبَ بِهِ دُخُولُ جُلُودِ السِّبَاعِ فِي الْـأُهُبِ الَّتِي تَجِبُ طَهَارَتُهَا بِالدِّبَاغِ.

    وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَقَلْنَا أَنَّ النَّهْيَ الَّذِي جَاءَ فِي الْـآثَارِ الَّتِي رُوِّينَاهَا فِي هَذَا الْـبَابِ عَنِ الرُّكُوبِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهَا غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِالدِّبَاغِ الَّذِي فُعِلَ بِهَا، وَلَكِنْ لِمَعْنًى سِوَى ذَلِكَ، وَهُوَ رُكُوبُ الْـعَجَمِ عَلَيْهَا، لَا مَا سِوَى ذَلِكَ.

    وَمِمَّا قَدْ دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ امِمَّا حَكَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ^«مِنْ نَهْيِهِ عَنِ الْـخَزِّ، عَنْ رُكُوبٍ عَلَيْهِ، وَعَنْ جُلُوسٍ عَلَيْهِ»([27]). فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ نَهْيٌ مِنْهُ عَنْ لِبَاسِ الثِّيَابِ الْـمَعْمُولَةِ مِنْهُ. وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَقَدْ لَبِسَ الْـخَزَّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ^وَمِنْ تَابِعِيهِمْ مَنْ قَدْ لَبِسَهُ، وَجَرَى النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا؟!

    وَإِذَا كَانَ لُبْسُهُ مُبَاحًا وَالرُّكُوبُ عَلَيْهِ مَكْرُوهًا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْـكَرَاهَةَ لِلرُّكُوبِ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا، لَا لِمَا سِوَاهُ.

    وَمِثْلُ ذَلِكَ نَهْيُ رَسُولِ اللهِ ^أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ أَسْفَلَ ثِيَابِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الْـأَعَاجِمِ، أَوْ يَجْعَلَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَرِيرًا أَمْثَالَ الْـأَعَاجِمِ([28])، مَعَ إبَاحَتِهِ أَعْلَامَ الْـحَرِيرِ فِي الثِّيَابِ الَّتِي مَقَادِيرُهَا أَكْثَرُ مِنْ مَقَادِيرِ الْـحَرِيرِ الَّذِي فِي هَذَيْنِ الْـمَعْنَيَيْنِ.

    وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَقَلْنَا أَنَّ النَّهْيَ عَمَّا نَهَى عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ الْـحَرِيرَ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ لِلتَّشْبِيهِ بِالْـعَجَمِ مِمَّا يَفْعَلُونَهُ فِيهِ، وَفِيمَا يَلْبَسُونَ ثِيَابَهُمْ عَلَيْهِ)([29]).

    ‌ب-  أن النهي عن افتراش جلود السباع إنما كان لكونها لا يزال عنها الشعر في العادة؛ لأنها إنما تقصد للشعر، كجلد الفهد والنمر. فإذا دبغت بقي الشعر نجسًا؛ فإنه لا يطهر بالدبغ على المذهب الصحيح. فلهذا نهي عنها([30]).

    ‌ج-     أن النهي محمول على ما قبل الدبغ([31]).

    واعترض على هذا:بأنه ضعيف؛ إذ لا معنى لتخصـيص السباع حينئذ، بل كل الجلود في ذلك سواء([32]).

    وأجيب عن هذا الاعتراض:بأنها خصت بالذكر؛ لأنها كانت تستعمل قبل الدبغ غالبًا أو كثيرًا([33]).

    2-أما بالنسبة لجلد الخنزير فقد خصص بقول الله تعالى: *ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ&([34]).

    فإن الضَّمِيرُ في قوله: *ﮮ ﮯ&رَاجِعٌ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو الخنزير.

    وعلى هذا فَالْـخِنْزِيرُ كُلُّهُ رِجْسٌ. وَالرِّجْسُ فِي اللُّغَةِ: الْـقَذَرُ، فَكَمَا أَنَّ الْـعَذِرَةَ لَا تَقْبَلُ التَّطْهِيرَ فَكَذَلِكَ الْـخِنْزِيرُ؛ لِأَنَّه سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ وَلَحْمِ الْـمَيْتَةِ، وَهُمَا لَا يَقْبَلَانِ التَّطْهِيرَ، فَكَذَلِكَ هُوَ([35]).

    كما أن الرِّجْس وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ؛ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: *ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ&([36]). فَكَانَ وُجُودُ الدِّبَاغِ -فِي حَقِّهِ- وَالْـعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ([37]).

    ونوقش:

    بعدم التسليم بأن الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو الخنزير، بل هو راجع إلى كل واحد من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، فكلها رجس، أي: نجس. ويكون هذا تعليلًا لقوله: *ﮠ&. فبين بذلك أن هذه الأشـياء حرام؛ لأنها نجسة؛ لأنه لو لم يذكر *ﮮ ﮯ&لما كان يلزم من صدر الكلام النجاسة لهذه الأشـياء؛ لأن الحرمة لا تستلزم النجاسة.

    وعلى هذا يلزم اقتصار النجاسة في الخنزير على لحمه؛ لأن الله تعالى قال: *ﮡ ﮢ ﮣ&. والطعم لا يكون إلا في اللحم دون غيره. وعلى هذا يجوز استعمال جلده بعد الدباغ، واستعمال شعره([38]).

    قلت:يؤيده على أن السـياق في المطعومات حديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بقَالَ: مَاتَتْ شَاةٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَاتَتْ فُلانَةُ -يَعْنِي: الشَّاةَ- فَقَالَ: «فَلَوْلا أَخَذْتُمْ مَسْكَهَا»! فَقَالَتْ: نَأْخُذُ مَسْكَ شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ؟! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ^: «إِنَّمَا قَالَ اللهُ Q:*ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ&فَإِنَّكُمْ لَا تَطْعَمُونَهُ، إِنْ تَدْبُغُوهُ، فَتَنْتَفِعُوا بِهِ». فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا، فَسَلَخَتْ مَسْكَهَا، فَدَبَغَتْهُ، فَأَخَذَتْ مِنْهُ قِرْبَةً، حَتَّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَهَا([39]).

    وعلى التسليم بأن الكل رجس فإن دباغه يذهب ذلك كما صـرح به في حديث ابن عباس بونصه: أَرَادَ النَّبِيُّ ^يَتَوَضَّأُ مِنْ سِقَاءٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «دِبَاغُهُ يُذْهِبُ خَبَثَهُ، أَوْ رِجْسَهُ، أَوْ نَجَسَهُ». وهو حديث صحيح. وقد تقدم تخريجه([40]).

    ثالثًا:أن جلد ما لا يؤكل لحمه لا يسمى إهابًا([41]).

    وأجيب عن ذلك:

    1-أن هذا خلاف لغة العرب؛ فقد جعلت العرب جلد الإنسان إهابًا([42]).

    2-أنه جلد حيوان طاهر، فأشبه المأكول([43]).

    ويمكن أن يناقش:بعدم التسليم بطهارة السباع.

    القول الثاني: أنها تطهر بالدباغ، ما عدا الخنزير.

    وإليه ذهب جمهور الفقهاء([44])، ومنهم الحنفية([45]

    وهو رواية عن الإمام مالك /، وعليها أكثر أصحابه([46]).

    وروي ذلك عن جابر بن عبدالله ا([47]).

    واستدلوا بنفس أدلة القول الأول على قولهم بأنها تطهر بالدباغ.

    واستدلوا على إخراج الخنزير بقولهم:

    1-لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ لَيْسَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّمِ وَالرُّطُوبَةِ، بَلْ هُوَ نَجِسُ الْـعَيْنِ؛ لقول الله تعالى: *ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ&([48]).

    فإن الضَّمِيرُ في قوله: *ﮮ ﮯ&رَاجِعٌ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو الخنزير. وعلى هذا فَالْـخِنْزِيرُ كُلُّهُ رِجْسٌ. وَالرِّجْسُ فِي اللُّغَةِ الْـقَذَرُ، فَكَمَا أَنَّ الْـعَذِرَةَ لَا تَقْبَلُ التَّطْهِيرَ فَكَذَلِكَ الْـخِنْزِيرُ؛ لِأَنَّه سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ وَلَحْمِ الْـمَيْتَةِ، وَهُمَا لَا يَقْبَلَانِ التَّطْهِيرَ، فَكَذَلِكَ هُوَ([49]).

    كما أن الرِّجْس وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ؛ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: *ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ&([50]). فَكَانَ وُجُودُ الدِّبَاغِ -فِي حَقِّهِ- وَالْـعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ([51]).

    وقد تقدمت مناقشة هذا الاستدلال ضمن أدلة القول الأول.

    2-أنَّ جِلْدَهُ لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَ؛ لِأَنَّ لَهُ جُلُودًا مُتَرَادِفَةً، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، كَمَا لِلْآدَمِيِّ([52]).

    قلت:ويمكن مناقشته:

    بأنه تعليل في مقابلة النص، وهو قوله ^: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». وغيره من الأحاديث المذكورة في أدلة القول الأول، وهي عامة في كل إهاب.

    القول الثالث: أنها تطهر بالدباغ، ما عدا الخنزير والكلب.

    وهو رواية في مذهب الحنفية([53]


     

    وإليه ذهب الشافعية([54])، وقول في مذهب الحنابلة([55]).

    واستدلوا بنفس أدلة القول الثاني في أنها تطهر بالدباغ ما عدا الخنزير.

    وأخرجوا الكلب محتجين بما يلي:

    1-أن الكلب نجس العين؛ لما روى أبوهُرَيْرَةَ اقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ^: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْـكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»([56]).

    وَجْهُ الدَّلَالَةِ:

    أَنَّ الْـمَاءَ لَوْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا لَمَا أَمَرَ بِإِرَاقَتِهِ؛ لِمَا فِيهَ مِنْ إتْلَافِ الْـمَالِ الْـمَنْهِيِّ عَنْ إضَاعَتِهِ.

    وَأَنَّ الطَّهَارَةَ إمَّا عَنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَسٍ، وَلَا حَدَثَ عَلَى الْـإِنَاءِ، فَتَعَيَّنَتْ طَهَارَةُ النَّجَسِ. فَثَبَتَ نَجَاسَةُ فَمِهِ، وَهُوَ أَطْيَبُ أَجْزَائِهِ، بَلْ هُوَ أَطْيَبُ الْـحَيَوَانِ نَكْهَةً؛ لِكَثْرَةِ مَا يَلْهَثُ، فَبَقِيَّتُهَا أَوْلَى([57]).

    ونوقش:

    بأن الأمر بالغسل والإراقة ليس لعلة النجاسة، وإنما لعلة تعبدية -الله أعلم بها-، أو لغيرها([58]).

    قال في مواهب الجليل: (وَاخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ كَوْنَ الْـمَنْعِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الْـكَلْبُ كَلْبًا، فَيَكُونَ قَدْ دَاخَلَ مِنْ لُعَابِهِ الْـمَاءَ مَا يُشْبِهُ السُّمَّ.

    قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ: تَحْدِيدُهُ بِالسَّبْعِ؛ لِأَنَّ السَّبْعَ مِنْ الْـعَدَدِ مُسْتَحَبٌّ فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ التَّدَاوِي، لَا سِـيَّمَا فِيمَا يُتَوَقَّى مِنْهُ السُّمُّ، وَقَدْ قَالَ فِي مَرَضِهِ ^: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ»([59]). وَقَالَ: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُـرَّهُ ذَلِكَ الْـيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ»([60]).

    قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَرُدَّ عَلَيْهِ بِنَقْلِ الْـأَطِبَّاءِ أَنَّ الْـكَلْبَ يَمْتَنِعُ مِنْ وُلُوغِ الْـمَاءِ.

    وَأَجَابَ حَفِيدُهُ: بِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ الْـكَلْبُ، أَمَّا فِي أَوَائِلِهِ فَلَا). اهـ([61]).

    قلت:وقد ذكر بعض المعاصـرين: أنه تم التوصل من خلال التحليلات المختبرية إلى ما يوافق هذا القول([62]).

    2-أن نَجَاسَةُ الْـكَلْبِ لَازِمَةٌ، لَا طَارِئَةٌ فَلَا تطْهُرُ بِالْـمُعَالَجَةِ، كَالْـعُذْرَةِ وَالدَّمِ([63]).

    3-أَنَّ الْـحَيَاةَ أقوى في التطهير من الدباغة؛ لتطهيرها جَمِيعَ الْـحَيَوَانِ حَيًّا، وَاخْتِصَاصُ الدِّبَاغَةِ بِتَطْهِيرِ جِلْدِهَ منفردًا. فلما لم تؤثر الْـحَيَاةُ فِي تَطْهِيرِ الْـكَلْبِ فَالدِّبَاغَةُ أَوْلَى أَنْ لَا تُؤَثِّرَ فِي تَطْهِيرِ جِلْدِهِ([64]).

    واعترض على هذه الأدلة بما يلي:

    1- بعدم التسليم بأن الكلب نجس([65]).

    2-قياس الكلب على البغل والحمار، فكما أنه يطهر جلدهما بالدباغ، فكذلك جلد الكلب([66]).

    ونوقش:

    القياس على البغل والحمار قياس مع الفارق؛ فالبغل والحمار طاهران وهما حيان، بخلاف الكلب، فهو نجس العين حتى في حال الحياة([67]).

    ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة:بعدم التسليم بنجاسة الكلب؛ لما مر من الأدلة.

    3-أن الانتفاع به مباح، ولو كانت عينه نجسة لما أبيح الانتفاع به([68]).

    القول الرابع: أنها لا تطهر بالدباغ مطلقًا.

    وإليه ذهب بعض المالكية([69])، وهو المشهور من مذهب الحنابلة([70]).

    وممن قال بهذا القول الأوزاعي وابن المبارك وإسحاق وأبوثور
    ويزيد بن هارون([71])-رحمهم الله-.

    وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب، وابنه، وعائشة، وعمران بن حصـين([72])ي.

    واستدلوا بما يلي:

    1-قوله تعالى: *ﭑ ﭒ ﭓ&([73]).

    ووجه الدلالة:

    أن الآية عامة فتشمل جميع أجزاء الميتة من جلد وغيره([74]).

    ونوقش:

    بأن العموم في الآية خصصته السنة بعدد من الأحاديث الصحيحة ([75]). وقد ذكرنا بعضها في أدلة القول الأول.

    2-حديث عبدالله بن عكيم: أتانا كتاب رسول الله ^قبل موته بشهر: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»([76]).

    ووجه الدلالة:

    أن النهي عام، فيشمل المدبوغ وغير المدبوغ، مما يحل أكله ومما يحرم.


     

    وكذلك فهو آخر الأمرين عن النبي ^، فيكون ناسخًا لما قبله([77]).

    ونوقش بما يلي:

    (1) إن الحديث مضطرب الإسناد، وسبب الاضطراب: أنّه روي أن الكتاب أتاهم قبل موته بشهر، وفي رواية: بشهرين، وفي أخرى: بأربعين يومًا([78]).

    وأجيب:بأن الاضطراب مردود؛ حيث سمع ابن عكيم الكتاب يقرأ، وسمعه من مشايخ من جهينة عن النبي ^، فلا اضطراب([79]).

    (2) إن الحديث مرسل، فابن عكيم ليس بصحابي([80]).

    وأجيب:

    إن الحـديث صحيـح. والإرسال في هـذا لا يضـر؛ لأن كـتابه ^كلفظه([81]).

    (3) إن الحديث روي عن مشـيخة مجهولين، لم تثبت صحبتهم([82]).

    وأجيب:

    إن هؤلاء الأشـياخ من الصحابة، وعليه فلا يضـر الجهل بأسمائهم([83]).

    (4) على التسليم بصحته فإن محمول على الجلد قبل الدباغ؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الصحيحة؛ لأن الإهاب عند أهل اللغة يقصد به الجلد قبل الدباغ، فإذا دبغ لا يسمى إهابًا([84]).

    3- ما رواه سلمة بن المحبق الهذلي اأن النبي ^قال: «دباغ الأديم ذكاته»([85]).

    ووجه الدلالة:

    قالوا: شَبَّهَ الدَّبْغَ بِالذَّكَاةِ. وَالذَّكَاةُ إنَّمَا تُعْمَلُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ([86]).

    ونوقش:

    بعدم التسليم بأن الذكاة لا تعمل إلا في مأكول اللحم خاصة، بل تعمل فيه وفي غيره. ويستغنى بها عن الدباغ([87]).

    القول الخامس: أنها تطهر طهارة غير كاملة.

    فينتفع بها إذا دبغت في الجلوس عليها والعمل، والامتهان في الأشـياء اليابسة، كالغربلة وشبهها، ولا تباع، ولا يتوضأ فيها، ولا يصلى عليها.

    وهذا قول للإمام مالك /، وعليه بعض أصحابه([88]).

    وحجتهمفي عدم جواز الوضوء فيها والصلاة عليها وبيعها:

    1-ما سبق من حديث عبدالله بن عكيم: أتانا كتاب رسول الله ^قبل موته بشهر: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»([89]).

    2- ما روي عن القاسم بن محمد /أنه قال لعائشة ل: «ألا نجعل لك فروًا تلبسـينه؟ قالت: إني لأكره جلود الميتة. قال: إنا لا نجعله إلا ذكيًا. فجعلناه، فكانت تلبسه»([90]).

    3-  ما روي عن ابن عمر ب: «أنه كان لا يلبس إلا ذكيًا»([91]).

    واعترض على هذا: بما سبق من قوله ^: «أيما إهاب دبغ فقد طهر».

    ورد هذا الاعتراض:

    بحمل الطهارة في الحديث على الطهارة اللغوية، وهي النظافة، لا الطهارة الحقيقية([92]).

    - وحجتهم في تجويز الانتفاع بها في بعض الأشـياء:

     أن النبي ^أهدى حلة من حرير لعمر ا، وقال: «لم أعطكها لتلبسها، ولكن لتبيعها أو تكسوها»([93]).

    ووجه الدلالة:

    قالوا: أباح له ^التصـرف في الحلة في بعض الوجوه، فكذلك جلد الميتة يجوز الانتفاع به في بعض الوجوه دون بعض([94]).

    الترجيح:

    الراجح -والله أعلم-: القول الأول، القائل بطهارة جلود الحيوانات بالدباغ مطلقًا، بما في ذلك جلد الكلب والخنزير؛ لقوة أدلته، وورود المناقشة على أدلة المخالفين.

    ولأن الجلد يخرج عَنْ حُكْمِ الحيوان بَعْدَ الدِّبَاغِ، ويصـير بِمَنْزِلَةِ الثَّوْبِ وَالْـخَشَبِ([95])، فيخرج من التَّحْرِيمَ الوارد في شأن الميتة وما يحرم أكله من الحيوانات.

     


    المسألة الثالثة
    جلود ما ذكي منها ولم يدبغ

    اختلف العلماء فيها على قولين، هما:

    القول الأول: أنها تطهر بالذكاة مطلقًا، إلا الخنزير فلا يطهر بالذكاة.

    وإليه ذهب أبوحنيفة([96])ومالك([97])-رحمهما الله-.

    واستدلوا بما يلي:

    1-ما رواه سلمة بن المحبق الهذلي اأَنَّ نَبِيَّ اللهِ ^دَعَا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدِي مَاءٌ إِلَّا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ قَدْ دَبَغَتْهَا»؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ ذَكَاتَهَا دِبَاغُهَا»([98]).

    وفي رواية أن النبي ^قال: «دباغ الأديم ذكاته»([99]).

    وجه الدلالة:

    قالوا: شبه الدباغ بالذكاة، والمشبه به أقوى من المشبه. فإذا طهر الدباغ مع ضعفه فالذكاة أولى.

    ولأن الدباغ يرفع العلة بعد وجودها، والذكاة تمنعها، والمنع أقوى من الرفع([100]).

    ونوقش بما يلي:

    ‌أ-    يحتمل أنه أراد بالذكاة: التطييب، من قولهم: رائحة ذكية، أي: طيبة. وهذا يطيب الجميع. ويدل على هذا أنه أضاف الذكاة إلى الجلد خاصة, والذي يختص به الجلد هو تطييبه وطهارته. وأما الذكاة التي هي الذبح فلا تضاف إلا إلى الحيوان كله.

    ‌ب-أن في طُرُقِ الحديث دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْـمُرَادَ بِالذَّكَاةِ طَهَارَتُهُ([101])، فسمى الطهارة ذكاة. فيكون اللفظ عامًا في كل جلد، فيتناول ما اختلفنا فيه.

    ‌ج-  أن في قصة الحـديث دلالة على أنه في جـلد ما يؤكل لحمه([102]).

    ‌د-  أن القول بأن المشبه به أقوى من المشبه غير لازم؛ فإن الله تعالى قال في صفة الحور: *ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ&([103]). وهنَّ أحسن من البيض. والمرأة الحسناء تشبه بالظبية وبقرة الوحش، وهي أحسن منهما.

    ثم إن الدبغ إنما يؤثر في مأكول اللحم، فكذلك ما شبه به([104]).

    2- القياس على الدباغ، فكما أن الذكاة تشارك الدباغ في إزالة الدماء السائلة والرطوبات النجسة فيجب أن تشاركه في إفادة الطهارة([105]).

    ونوقش:

    بعدم صحة القياس؛ لوجود الفارق؛ لكون الدبغ مزيلًا للخبث والرطوبات كلها، مطيبًا للجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه لا يتغير، والذكاة لا يحصل بها ذلك، فلا يستغني بها عن الدبغ([106]).

     

    القول الثاني: أنها لا تطهر بالذكاة.

    وإلى هذا القول ذهب جمهور الفقهاء وأهل الحديث، ومنهم الإمام مالك /في قول له وبعض أصحابه([107])، والشافعية([108])، والحنابلة([109]).

     واستدلوا بما يلي:

    1-عَنْ أَبِي الْـمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ الهذلي عَنْ أَبِيهِ ا: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ^نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ»([110]).

    2-عَنْ خَالِدٍ بن معدان قَالَ: وَفَدَ الْـمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِيكَرِبَ اعَلَى مُعَاوِيَةَ افقَالَ لَهُ: «أَنْشُدُكَ بِاللهِ! هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ^نَهَى عَنْ لُبُوسِ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ»([111]).

    ووجه الدلالة من الحديثين: أن هذا النهي عام في المذكى وغيره([112]).

    ونوقش:

    بأن غَايَةَ مَا فِيهَا مُجَرَّدُ النَّهْيِ عَنْ الرُّكُوبِ عَلَيْهَا وَافْتِرَاشِهَا، وَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ، كَمَا لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الذَّهَبِ وَالْـحَرِيرِ وَنَجَاسَتِهِمَا([113]).

    3-عن عبـدالله بن عباس بقـال: سمـعت رسول الله ^يقول: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»([114]).

    ووجه الدلالة:

    أن قوله ^: «إِذا دبغ الإهاب فقد طهر» خرج مخرج الشَّـرْط وَالْـجَزَاء، -فَقَوله: «إِذا دبغ» شَـرط، وَقَوله: «فقد طهر» جَزَاء.- وَالْـجَزَاء لَا يسْبق الشَّـرْط، كَمَا يُقَال: إِذا دخلت الدَّار فَأَنت حر، فَمَا لم يدْخل لَا يعْتق([115]). وهو عام، يشمل كل إهاب، سواءً كان مأكول اللحم أو غير مأكول، لكن خرج مأكول اللحم إذا ذكي؛ للإجماع على طهارته.

    4-أنه ذبح لا يطهر اللحم، وهو المقصود الأصلي من الذبح، فلا يطهر الجلد من باب أولى، كذبح المجوسـي، أو الذبح غير المشـروع، كذبح المحرم الصـيد([116]).

    الترجيح:

    من خلال ما سبق يترجح -والله أعلم-: ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن جلود ما حرم أكله لا تطهر بالذكاة؛ لقوة أدلتهم، وضعف أدلة المخالفين، وورود المناقشات عليها.

     

     

     

     

     


     

     

     


    المبحث الثانيحكم ما سوى الجلود مما يمكن استعماله في اللباس
    من حيث الطهارة والنجاسة وجواز الانتفاع بها

    وهي: (الشَّعْر، وَالصُّوف، وَالْـوَبَر، وَالرِّيش، وَالْـعَظْم، وَالْـقَرْن، وَالسِّنّ، والظُفُر، وَالظِّلْف، والخُف، والحَافِر، وَالْـعَصَب، والمُصْـران، والكِرْش، والمثانة).

     

    وتحته مطلبان:

    المطلب الأول: المتخذ منها من الخنزير.

    المطلب الثاني: المتخذ مما سوى الخنزير.

     



     


    المطلب الأول
    المتخذ منها من الخنزير

    حكى بعض العلماء الإجماع على تحريم الخنزير بجملته، فقَالَ ابن المنذر/: (وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْـعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِ الْـخِنْزِيرِ، وَالْـخِنْزِيرُ مُحَرَّمٌ بِالْـكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْـأُمَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِعْمَالِ شَعْرِهِ)([117]).

    وقال فخر الدين الرازي /: (أَجْمَعَتِ الْـأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْـخِنْزِيرَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مُحَرَّمٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لَحْمَهُ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ الِانْتِفَاعِ مُتَعَلِّقٌ بِه.

    أَمَّا شَعْرُ الْـخِنْزِيرِ فَغَيْ التفاصيل

    0
    225
  • شرح كتاب المناسك من زاد المستقنع
  •  

     

    شرح

    كتاب المناسك

    من

    زاد المستـــقنع

     

    للإمام الشيخ

    موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي

    - رحمه الله -

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    شرح فضيلة الشيخ

    أ.د. محمد بن عبدالله المحيميد

    - حفظه الله -

     


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

    هذا هو شرح كتاب "المناسك" من كتاب زاد المستقنع في اختصار المقنع للعلامة موسى الحجاوي-رحمه الله-.

    ختم كتاب العبادات بهذا الكتاب-رحمه الله- جريًا على المعهود عند الفقهاء في ترتيبهم لكتبهم الفقهية، يرتبونها كما جاء في حديث أركان الإسلام، والحج جاء في آخر العبادات في الأركان، كذلك هنا المصنف-رحمه الله- جعل كتاب الحج ختام كتاب العبادات.

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-: "كتاب المناسك".

     (الشرح)

    "المناسك"جمع (منسك)، و(المنسك) مصدر نسك ينسك نُسكًا ونسيكةً، والنسك: الطاعةُ والعبادة وكل ما تُقربَ به إلى الله تعالى، والنسيكة هي الذبيحة، ويأتي "المنسك" بفتح السين وبكسرها (منسَك) و (منسِك) وكلاهما صحيح، ثم غلب هذا اللفظ وأصبح علمًا على الحج خاصةً لكثرة الأعمال والعبادات ولكثرة ما يُذبح فيه من القرابين.

    (المتن)

    قال-رحمه الله-: "الحج والعمرة واجبان على المسلم الحر المكلف القادر في عمره مرة على الفور فإن زال الرق (والجنون) والصبا في الحج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضا وفعلهما من الصبي والعبد (نفلا)".

    (الشرح)

    قال-رحمه الله-: "الحج والعمرة واجبان" بدايةً نعرف الحج ثم العمرة ثم نأتي لبيان الحكم.

    "الحج"هو: القصد إلى الشيء المعظم وليس القصد لأي شيء، هكذا في لغة العرب، وأما في الشرع فعرّف بتعاريف كثيرة:-

    ·    ومنها: قصد بيت الله تعالى بصفة مخصوصة في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة.

    ·     وعرفه بعضهم وقال: هو مقصد مكة لأداء المناسك في وقتٍ مخصوص.

    ·  ولعل أجمع وأمنع التعاريف إلى حدٍ ما، هو تعريف من قال: هو التعبد لله Uبأداء المناسك على ما جاء في سنة رسول الله r.

    وأما "العمرة" فهي في اللغة: الزيارة، وفي الشرع: التعبد لله بالطواف بالإحرام وبالطواف بالبيت وبالصفا والمروة وبالحلق أو التقصير.

    قال-رحمه الله-: "واجبان"أي: حكم الحج والعمرة واجبان، والأمر-كما ذكر المصنف- بالنسبة "للحج" هو واجبٌ بإجماع الأمة بل هو ركنٌ من أركان الإسلام، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع:-

     قال الله -تبارك وتعالى-:{وَللَّه عَلَى النَّاس حجُّ الْبَيْت مَن اسْتَطَاعَ إلَيْه سَبيلًا}[آل عمران:97].

     وأما في السنة:- ففي أحاديث كثيرة، ومنها الحديث المشهور وهو حديث أركان الإسلام الذي قال فيه النبي r: «بُني الإسلام على خمس» وذكر في آخرها: «وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا»([1]).

    وأجمعت الأمة على فرضية الحج إلى البيت الحرام.

    والحج فُرض في السنة التاسعة من الهجرة، غير أن النبي rلم يحج إلا في السنة العاشرة، وهذا مما اتفق عليه العلماء.

    أما "العمرة" فالحكم فيها يختلف عن الحج، ففي وجوبها خلاف بين العلماء، والمصنف قرر أنها واجبة، وهذا مذهب أكثر العلماء فيرون أنها واجبة، ويستدلون على هذا بقول الله -تبارك وتعالى-: {وَأَتمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّه}[البقرة:196]، لكن يرد على هذا: أن هذه الآية أمرت بالإتمام ولم تأمر بالابتداء أصلًا.

     وهناك فرقٌ بين الأمر بالإتمام وبين الأمر ببدء العبادة من أولها، كمحل اتفاق أن المسلم إذا بدأ – شرع - في الحج أو العمرة فيجب عليه أن يتمهما، لكن هل تجب العمرة ابتداءً أصلًا ؟ هذا هو محل الخلاف، ومما استدل به أصحاب هذا القول القائلين بالوجوب:- حديث عائشة-رضي الله تعالى عنها- أن النبي rسُئل: هل على النساء من جهاد ؟، فقال r: «نعم عليهنّ جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة»([2])، فقالوا: "عليهنّ" إنما تأتي للوجوب، لكن يرد على هذا: أن بعض العلماء تحفّظوا على قوله "والعمرة"، فبعضهم يرى أن هذه اللفظة ليست بثابتة، ولذا لم يخرجها البخاري-رحمه الله-.

    والقول الثاني: أن الحج والعمرة مندوبان وليس بواجبين.

    وفي المسألة قولٌ ثالث: أن العمرة واجبة على الآفاقيالذي ليس من أهل مكة ولا تشرع للمكي.

     لكن أحوط الأقوال: لعل هو القول الأول، ونقول: إذا كان الإنسان قادرًا ينبغي أن لا يدع العمرة، والحديث يطول في بيان حكم هذه المسألة بشيء من التفصيل.

    ثم قال-رحمه الله-: "على المسلم الحر المكلف القادر"، هنا المصنف-رحمه الله- يبين شروط من يجب عليه الحج والعمرة، هذه ذكر المصنف خمسة شروط:- "المسلم الحر المكلف" و "المكلف" المراد به: البالغ العاقل، ثم قال المصنف بعد هذا: "القادر"، فهذه خمسة شروط:-

    أولها: الإسلام، وكما مر معنا في أحكام الصيام وما سبق من أحكام: أن العبادة لا تجب على الكافر حال كفره- يعني قبل إسلامه-، ومعنى "أنها لا تجب عليه" بمعنى لو فعلها لا تصح منه، وإذا أسلم لا يؤمر بقضائها، وهذا لا يعني أنه معفيٌ عن المحاسبة عليه يوم القيامة، كما ذكرنا فيما سبق في قول الله تعالى-:{مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ}،{قَالُوا لَمْ نَكُ منَ الْمُصَلّينَ}[المدثر:42-43]، لكن العبادة لا تصح من الكافر في حال كفره، لقوله-تبارك وتعالى-: {وَقَدمْنَا إلَى مَا عَملُوا منْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}[الفرقان:23]، فالإسلام شرط صحة للعبادة.

    ثم قال-رحمه الله-: "الحر"، فالحر ضده: الرقيق، فالرقيق لا يجب عليه الحج لأن وقته وماله وكل هذا لسيده فهو كالمحبوس عند سيده، فهذا من التخفيف عليه ولا يجب عليه الحج في حال رقه، ولو حج الرقيق في حال رقه فحجه صحيح، لكن هل يجزئ عنه عن حجة الإسلام ؟ أيضا لا يجزئ عنه ذلك عن حجة الإسلام.

     فالشرط بالنسبة للرقيق: شرط وجوبٍ وشرط إجزاء لا شرط صحة، فإذا بلغ الرقيق وقد حج في حال رقه: يجب عليه أن يحج حجةً أخرى، لقول النبي rكما رواه ابن عباس-رضي الله عنهما-: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجةٌ أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى»([3])، وهذا هو الشاهد.

    ثم قال-رحمه الله-: "المكلف" والمكلف-كما ذكرنا آنفًا-: هو البالغ العاقل، فغير مكلف هو الصبي والمجنون، «أيما صبيٌ حج ثم بلغ فعليه حجةٌ أخرى»، وإذا حج الصبي في حال صباه فحجه صحيح- وهذا بالاتفاق، فإن امرأةً رفعت إلى النبي rصبيًا فقالت: ألهذا حج ؟ قال: «نعم، ولك أجر»([4])، وهذا محل اتفاق.

     الخلاف في مسألة المجنون، فلو أن ولي المجنون حج بالمجنون: فهل حج المجنون صحيح ؟ الاتفاق لا يجزئ عن حجة الإسلام، لكن هل حجه صحيح ؟ يؤجر عليه مثل الصبي، والمسألة محل خلاف، ولعل أرجح الأقوال فيها: أن حجه مثل حج الصبي وكلاهما يفقد القصد الصحيح.

    ثم قال المصنف-رحمه الله- بعد هذا: "القادر"، فمن شروط وجوب الحج: القدرة، ودليل هذا: قوله-تبارك وتعالى-: {وَللَّه عَلَى النَّاس حجُّ الْبَيْت مَن اسْتَطَاعَ إلَيْه سَبيلًا}[آل عمران:97]، فالذي لا يستطيع لا يجب عليه الحج، سيأتي مزيد كلام عن هذه المسألة بعد قليل.

    ثم قال المصنف-رحمه الله-: "في عمره مرة"، يعني: من توفرت عنده شروط الحج وجب عليه أن يحج مرةً واحدة في العمر وإن استمرت معه الاستطاعة بعد ذلك، ودليل هذا هو قول النبي r: «الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع».([5])، والمسألة محل اتفاق.

    ثم قال-رحمه الله-: "على الفور" أي: يجب على من توفرت عنده تلك الشروط أن يبادر في الحج ولا يؤخره، قول الله-تبارك وتعالى-: {وَللَّه عَلَى النَّاس حجُّ الْبَيْت مَن اسْتَطَاعَ إلَيْه سَبيلًا}[آل عمران:97]، وأيضًا لقول النبي r: «أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا»([6])، والأصل في الأوامر أن تكون على الفور.

    ثم قال-رحمه الله-: "فإن زال الرق (والجنون) والصبا في الحج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضا"، نحن قلنا فيما سبق: أن الحج صحيح من الصبي وصحيحٌ من الرقيق وصحيحٌ من المجنون، لكن لا يسقط عنهم الفرض الواجب، لكن لو أن هذا الظرف تغير في أثناء الحج، أما إن تغير قبل الإحرام فلا شك حجهما صحيح ومجزئ عن الفرض، لكن لو بدأ أحدٌ من هؤلاء حجه وهو في ظرفه (في حال الصبا أو في حال الرق أو في حال الجنون) وأحرم بتلك الصفة ثم بعد هذا زال هذا الظرف وتوفرت عنده شروط الوجوب: فهل يجزئ هذا الحج ؟

     المصنف يقرر هنا: أنه إن زالت هذه الظروف بعرفة -يعني قدر الإنصراف والإفاضة من عرفة-: فحجه يصح منه فرضًا ويسقط عنه حج الفريضة- وهذا محل اتفاق، دليله: ما روي عن ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما-: "أنه أفتى من بلغ وأفاق من الجنون إن أفاق بعرفة صحّ حجه فرضًا"، ومثل هؤلاء الرقيق، لماذا ؟ لأنه أتى بالمناسك وبركن الحج الأعظم على صفة الكمال.

    ثم قال-رحمه الله-: "وفي العمرة قبل طوافها صح فرضا"، مثل هذا:- إذا أحرم هؤلاء الثلاثة -الذي ذكرناهم قبل قليل- بالعمرة ثم في أثناء الطريق زال ظرفه المانع من إجزاء الحج عنه فرضًا وزال في أثناء الطريق، فننظر: إن زال-كما ذكر المنصف- قبل الطواف: فهذه العمرة تجزئ عن عمرة الإسلام، وإن لم يزل هذا الظرف إلا بعد أن شرع في الطواف: فعليه أن يعتمر عمرةً أخرى لعمرة الإسلام، لماذا ؟ لأن ركن العمرة الأعظم هو الطواف، ومثله مثل الوقوف بعرفة بالنسبة للحج.

    ثم قال-رحمه الله-: "وفعلهما من الصبي والعبد (نفلا)"، كما ذكرنا آنفًا: يصحان من الصبي ويصحان من الرقيق، ومثلهما-أيضًا- المجنون لكن نفلًا وليس فريضةً.

    -       مسائل تتعلق بالصبي:

     الصبي إما أن يكون مميز وإما أن يكون غير مميز لا يعرف شيئًا، فإن كان مميزًا فهو ينوي العبادة بنفسه، وإن كان غير مميز فالذي ينوي عنه وليه، وهذا لا إشكال فيه، لكن فيه مسائل تكثر في هذا وهي مسألة: إذا كان الصبي الصغير لا يستطيع أن يطوف بنفسه ولا بد أن يُحمل: فهل الطواف عن حامله أو عن المحمول أو عنهما جميعًا ؟ بمعنى: الحامل إذا كان عليه عمرة مثلًا أو حج فيطوف أولًا لنفسه ثم يطوف لهذا الصبي أو يجزأهما طواف واحد ؟

    المسألة محل خلاف، أرجح أقوال العلماء في هذا: أن الطواف مرةً واحدة يجزئ عن الحامل والمحمول، يعني يجزئ عن الصبي وعن من يحمل الصبي ولا يلزم أن يكرر الطواف به مرةً أخرى.

    ومثل هذه المسألة مسألة: المحمول يشترط في الطائف أن يكون البيت عن يساره، فإذا حمل الطفل ونحوه سيكون البيت عن يمينه، فهل يجزئ هذا أو لا يجزئ؟

     المسألة محل خلاف، لكن الراجح فيها: أنه لا بأس أن يكون البيت عن يسار أو عن يمين المحمول ولا يلزم أن يكون عن يساره، لأن النبي rسكت عن هذه المسائل لما رفعت له المرأة الصبي وقالت: ألهذا حج ؟ قال: «نعم، ولك أجر»، لم يفصل النبي rولم يقل طوفي مرةً عن نفسك ثم احملي الطفل به ولم يقل ضعيه بوضعية معينة، فكست عن هذه الأمور، وسكوته rيدل على أن الأمر فيه سعةٌ-إن شاء الله-، فلا يُضيق على الناس بهذا.

    ثم قال-رحمه الله-: "والعبد" يعني: يصح حج العبد وعمرته.

    (المتن)

    قال-رحمه الله-: "والقادر: (من أمكنه الركوب) ووجد زادا ومركوبا صالحين لمثله بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية والحوائج الأصلية، وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه من حيث وجبا ويجزئ عنه وإن عوفي (بعد الإحرام)".

    (الشرح)

    قال-رحمه الله-: "والقادر: (من أمكنه الركوب) ووجد زادا ومركوبا صالحين لمثله"، أحيانًا يحتاج الحاج إلى ركوب وأحيانًا لا يحتاج كما لو كان من أهل مكة، فلا يرد مثل هذا القيد، لكن إذا كان يحتاج إلى ركوب فلا بد أن يكون قادرا على الركوبة وقادرا على الاستقرار على الراحلة أو السيارة ولا يحصل له مشقة شديدة أو ضرر، إن كان الأمر كما ذكرت فتوفر عنده شيء من هذا الشرط الباقي والذي له بقية بعد قليل.

    قال: "(من أمكنه الركوب) ووجد زادًا و مركوبا"، فسّر النبي rالاستطاعة بذلك كما جاء في بعض الأحاديث في تفسير قوله تعالى:{مَن اسْتَطَاعَ إلَيْه سَبيلًا}[آل عمران:97]، قال r: «السبيل: الزاد والراحلة»([7])، والمقصود بـ "الزاد" أن يكون معه مما يحتاجه من طعامٍ وشراب إلى حين عودته، وأيضا: أن تكون معه راحلة تقلّه إلى مكة، فبناءً على هذا: من لم يجد زادًا ولا راحلة لا يجب عليه أن يحج، أو وجد مثلًا لكن شقّ عليه الركوب: فلا يجب عليه الحج.

    ثم قال المصنف-: "صالحين لمثله" يعني: يجب أن تكون الراحلة صالحة لمثله والزاد كذلك، يعني: لائقين بحاله، فإن كان غنيًا فمركوب الأغنياء وإن كان فقيرًا فمركوب الفقراء، لكن-والله أعلم- أن هذا ليس بشرط، فالمقصود: إذا وجد من الزاد ما يقيم حاله ووجد من الراحلة ما يحمله -ولو كان في ذلك بعض الكلفة ولا يشق عليه-: فيجب عليه الحج.

    ثم قال المصنف-رحمه الله-: "بعد قضاء الواجبات" يعني أن الشرط يتحقق إذا وجد  المال والزاد والراحلة بعد قضاء ما عليه من الواجبات كالديون الحالة والمؤجلة للآدميين أو لله وغيرها، كذلك بعد "النفقات الشرعية" يعني: يكون هذا المال الذي معه ليحج به زائدًا عن حاجته للإنفاق على أهل بيته ومن تلزمه نفقتهم، فقد جاء في الحديث: «كفى بالمرء إثمًا أن يُضيع من يقوت»([8])فإذا كان عنده من المال زائدًا عن هذه الأشياء فهنا يجب عليه الحج، أما إن كان المال لا يكفي إلا لهذه الأشياء اللازمة فهي أولى من الحج- وهذا من سماحة هذا الدين.

    قال المصنف: "والحوائج الأصلية" أيضًا يكون هذا المال الذي يعده للحج زائدًا عن الحوائج الأصلية كالمسكن والملبس والمركب وغير ذلك، لكن ينبغي عدم المبالغة في هذا، فلا يصح للإنسان أن يمتلك مسكنًا أو مركبًا زائدًا عن حاجته كثيرًا ثم يعتذر بأنه لا يجد ما يستطيع أن يحج به، فهذا لا شك أن مفرّط وآثم.

    ثم قال المصنف-رحمه الله-: "وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه من حيث وجبا" هذا الشخص يدور بين أمور، فإما أن يستطيع أن يحج بنفسه وماله: فهذا يلزمه الحج ببدنه، وأحيانًا يستطيع بماله ولا يستطيع بنفسه: فهذا يلزمه أن ينيب من يحج عنه، أما إن كان لا يستطيع لا بنفسه ولا بماله: فيسقط عنه الحج في هذه الحالة.

    لكن مسألتنا هذه: إذا كان لا يستطيع أن يحج ببدنه لكبرٍ أو مرضٍ لا يرجى برؤه:- فهنا يقول المصنف: يلزمه أن يُقيم من يحج ويعتمر عنه من حيث وجبا، يعني مثلًا: لو كان بلده-مثلًا- في مصر: هنا وجب عليه الحج من مصر، فيقول: لا يصح أن يُنيب أحدًا من أهل مكة والمدينة يحج عنه، بل لا بد أن يكون النائب من بلده هو، لكن أرجح أقوال العلماء هنا: أنه لا بأس أن ينيب من أهل مكة، لأن السفر هنا ليس مقصودًا.

     ودليل صحة الإنابة في الحج: ما ثبت في الصحيح: أن امرأةً سألت النبي rفقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرا لا يستطيع الثبوت على الراحلة، أفأحج عنه ؟ قال r: «حجي عنه»([9])وهذا دليلٌ واضح، وأيضًا فيه دلالة على أنه يجوز أن تنوب المرأة عن الرجل والعكس كذلك، فإذا جاز للمرأة أن تنوب عن الرجل فمن باب أولى ينوب الرجل عن المرأة في الحج.

    ثم قال-رحمه الله-: " ويجزئ عنه وإن عوفي (بعد الإحرام)" يعني: لو أن النائب أحرم بالحج عن المنوب عنه: فهذا مجزي، ولو عوفي المنوب عنه بعد إحرام هذا النائب: فالحج هذا مجزئ، ولا نقول لهذا الذي أناب غيره يلزمك أن تحج حجةً أخرى، وهذا مجزئ عنه، ومفهوم هذا: أنه إذا عوفي قبل أن يُحرم النائب عنه: فتكون تلك الحجة التي من النائب نافلة ويلزم هذا المنوب عنه أن يحج حجةً أخرى.

    (المتن)

    قال-رحمه الله- : "ويشترط لوجوبه على المرأة وجود محرمها وهو زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح وإن مات من لزماه أخرجا من تركته".

    (الشرح)

    قال-رحمه الله-: " ويشترط لوجوبه على المرأة وجود محرمها" هذا شرطٌ خاصٌ بالمرأة، فلا يجب الحج على المرأة إلا إذا توفر لها محرم، لما روي:- أن رجلًا لما سمع النبي rيقول: «لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم» قال رجلٌ: يا رسول الله، إن امرأتي انطلقت حاجة وقد اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي r: «انطلق فحج مع امرأتك»([10])، فهذا الحديث دليل على وجوب المحرم بالنسبة للمرأة.

     فالمرأة التي ليس عندها محرم لا يجوز لها أن تحج وإن حجت فهي آثمة، لكن حجها بغير محرم صحيح، وفي المسألة خلاف (في وجوب المحرم)، لكن الراجح ما ذكرت: أنه لا بد من المحرم بنص الحديث السابق، فالنبي rأمر هذا الرجل بأن يترك الجهاد وينطلق ويكون محرمًا لامرأته، قال المصنف: فإن سافرت بلا محرمٍ وحجت فهي آثمة، والحج صحيح -كما ذكرنا-.

    ثم قال-رحمه الله- مبينًا المحرم: "وهو زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح" الأحرام ثلاثة أنواع:-

    النوع الأول: الزوج.

    النوع الثاني: من يحرم عليها على التأبيد بنسب.

    النوع الثالث: من يحرم عليها على التأبيد بسببٍ مباح.

    فالذي يحرم على التأبيد بنسب: هم الأب والابن والأخ وابن الأخ وابن الأخت والخال والعم، هؤلاء سبعة.

    والثالث : من يحرم على التأبيد بسببٍ مباح، والسبب المباح قسمان: الرضاع والمصاهرة:-

    ·   فالذين يرحمون بالرضاع هم نفس الذي يحرمون بالنسب (يعني السبعة السابقون)، لقول النبي r: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»([11]).

    ·  أما الذين يحرمون بالمصاهرة: فهم أربعة: أبو الزوج وابن الزوج وزوج الأم وزوج البنت، فهؤلاء الأربعة-أيضًا- يجوز للمرأة أن تحج معهم.

    وعُلم من قول المصنف-رحمه الله-: "بنسبٍ أو سببٍ مباح" أن السبب المحرم لا يجوز معه السفر ولا يعتبر محرما، السبب المحرم كالزنى، فأم المزني بها وابنة المزني بها لا يعتبر الزاني محرمًا لهما ولا يجوز لهما أن تسافرا معه، وكذا من قول المصنف-رحمه الله-: "من تحرم عليه على التأبيد" أن مَنْ تحرم عليه المرأة (لكن ليس على التأبيد) أنه ليس بمحرم، مثل زوج أختها فهذا ليس محرمًا لها، لأنه ربما طلق الأخت أو ماتت الأخت، وجاز له أن يتزوجها.

    ثم قال المصنف-رحمه الله-: "وإن مات من لزماه أخرجا من تركته" يعني: من توفرت عنده شروط الحج ولم يحج تهاونًا أو كسلًا أو غير ذلك، يقول المصنف: "أخرجا من تركته" يعني: يجب على أهله قبل قسم التركة أن يخرجا ما لم يحج به عنه قبل قسمة تركته، يعني مثل سائر الديون، فهذا حقٌ لله-تبارك وتعالى-، والنبي rيقول: «دينُ الله أحق بالوفاء»([12]).

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله- : "باب المواقيت"

    (الشرح)

    "المواقيت"جمع: ميقات، والميقات هو: الحد، ومواقيت الحج قسمان:- مواقيت زمانية ومواقيت مكانية.

    (المتن)

    قال-رحمه الله-: " وميقات أهل المدينة ذو الحليفة وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة وأهل اليمن يلملم وأهل نجد قرن وأهل المشرق ذات عرق وهي لأهلها ولمن مر عليها من غيرهم ومن حج من أهل مكة فمنها وعمرته من الحل".

    (الشرح)

    قال-رحمه الله- مبينًا المواقيت المكانية: "وميقات أهل المدينة ذو الحليفة" وهو قريبًا من المدينة، وهو أبعد المواقيت عن مكة، ثم قال-رحمه الله-: "وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة" وهي قريةٌ قريبةٌ ومعروفة، ثم قال-رحمه الله-: " وأهل اليمن يلملم" وهذا على طريق اليمن عند بئر يسمى السعدية يُحرم منه الناس، وهو يبعد عن مكة تقريبًا 120 كيلو على طريق الليث.

    ثم قال-رحمه الله-: "وأهل نجد قرن" والقرن هو: الجبل الصغير، وهو جبلٌ بوادٍ يسمى وادي السيل الكبير، وهو أقرب المواقيت إلى مكة، ثم قال-رحمه الله-: "وأهل المشرق ذات عرق" أهل المشرق الذين يأتون من جهة العراق يحرمون من ذات عرق.

     وهذه المواقيت وقّتها النبي r- كما جاء في الصحيحين عن ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما-: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ لأَهْل المَدينَة ذَا الحُلَيْفَة، وَلأَهْل الشَّأْم الجُحْفَةَ، وَلأَهْل نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازل، وَلأَهْل اليَمَن يَلَمْلَمَ... فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلمَنْ أَتَى عَلَيْهنَّ منْ غَيْر أَهْلهنَّ لمَنْ كَانَ يُريدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمُهَلُّهُ منْ أَهْله، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهلُّونَ منْهَا»([13]).

    بقي ميقات ذات عرق، فلم يرد بهذا الحديث، ولذا اختلف العلماء: هل الذي وقّته النبي rأو عمر t؟ أرجح الأقوال: أن الذي وقّته عمر tثم أجمعت الأمة عليه، عن ابن عمر-رضي الله عنهما- قال: "لما فتح هذان المصران أتوا عمرَ، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله rحدّ لأهل نجدٍ قرنا وهو جورٌ عن طريقنا"أي: مائل عن طريقنا "وإن أردنا قرنًا شقّ علينا" فقال عمر t: "فانظروا حذوها من طريقكم، فحدّ لهم ذات عرق"([14]).

    ثم قال-رحمه الله-: "وهي لأهلها ولمن مر عليها من غيرهم" فمثلًا: الذي يأتي من جهة ذي الحليفة سواءً كان من أهل المدينة أو من غير أهل المدينة: يجب عليه أن يُحرم من ذي الحليفة، وهل يجوز للمسلم أن يحرم قبل المواقيت ؟ هذا جائز لكنه خلاف الأولى، فعله بعض الصحابة-رضي الله تعالى عنهم-.

     وإذا كان في الطريق إلى مكة ميقاتان:- مثل الشامي إذا مرّ بالمدينة أو المصري: هل يلزم أن يحرم من المدينة أو يجوز أن يؤجل إحرامه إلى الجحفة ؟ المسألة محل خلاف، ولعل الراجح فيها: أنه يجوز له أن يؤجل إحرامه ليحرم من الجحفة.

    بقي مسألة وهي: حكم تجاوز الميقات بدون إحرام لمن أراد الحج والعمرة ؟

    أجمع العلماء-رحمهم الله- على: أنه لا يجوز لمن أراد الحج والعمرة أن يتجاوز الميقات بلا إحرام، فإن تجاوزه عامدًا فهو آثم، وإن كان جاهلًا فيلزمه أن يرجع ويحرم من الميقات، فإن رجع وأحرم من الميقات فلا شيء عليه، وإن أحرم من مكانه لزمه دم حتى وإن رجع.

    ثم قال-رحمه الله-: "ومن حج من أهل مكة فمنها" أهل مكة ومن دون المواقيت يحرمون من أماكنهم ولا يلزمهم أن يرجعوا إلى هذه المواقيت، فالذين يسكنون مثلًا بين مكة والمدينة أو بين السيل وبين مكة: يحرمون من أماكنهم، حتى أهل مكة يحرمون من مكة، وهذا بالنسبة للحج.

     أما أهل مكة بالنسبة للعمرة فيلزمهم أن يخرجوا إلى الحل وإلى التنعيم أو غيره، يعني: أي مكان من الحل خارج الحرم، لأن المعهود عن الشارع أن الإحرام لا بد أن يجمع فيه المتعبد بين الحل والحرم، وأيضًا «النبي rأمر عائشة حين طلبت منه أن تعتمر بعد أن فرغت من حجها، فأمر أن تخرج لتُحرم من التنعيم»([15]).

     (المتن)

    قال-رحمه الله-: "وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة".

    (الشرح)

    قال-رحمه الله-: "وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة" هذه أشهر الحج، وهو كذا عند الحنابلة: شهران وبعض شهرٍ، وفي المسألة قولٌ ثان : أن أشهر الحج ثلاثة أشهر وهي( شوال وذو القعدة وذو الحجة بأكمله)، والقول الثاني لعله هو الراجح، لأن الله- تبارك وتعالى-قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}[البقرة:197]، ولم يقل شهران أو بعض شهر، وأيضًا: عن عمر t: أن ذا الحجة كله من أشهر الحج.

    بقي مسألة وهي: حكم الإحرام بالحج قبل ميقاته الزمنيّ ؟ يعني: هل للمسلم أن يحرم بالحج-مثلًا- في رمضان ؟

    المسألة محل خلاف، عند الحنابلة: هذا جائز، لكن جمهور العلماء وعلماء المذاهب الثلاثة-رحمهم الله- رأوا عدم جواز ذلك، وهذا هو الصحيح وأعني: عدم الجواز، فما أودع هذا التوقيت إلا ليلتزم به، وأيضًا لم يؤثر عن أحد من الصحابة ولا غيرهم أنه أحرم بالحج قبل زمانه، فمن أحرم به قبل زمانه يقلبها إلى عمرة، يعني من أحرم بالحج قبل دخول أشهر الحج وقبل رؤية هلال شوال: فعليه أن يقلب هذا الإحرام إلى عمرة.

    (المتن)

    قال-رحمه الله-: باب "الإحرام: نية النسك".

    (الشرح)

    "الإحرام"في اللغة: نية الدخول في التحريم، وفي الاصطلاح: نية الدخول في النسك، يعني ليس الإحرام أن يلبس الإنسان الإزار والرداء فهذا لا يسمى إحرامًا، الإحرام هو أن ينوي أنه دخل في هذه العبادة العظيمة وهي الحج أو العمرة.

    (المتن)

    قال-رحمه الله-: "سن لمريده: غسل (أو تيمم لعدم) وتنظف وتطيب وتجرد عن مخيط ويحرم في إزار ورداء أبيضين وإحرام عقب ركعتين ونيته شرط ويستحب قوله: اللهم إني أريد نسك كذا فيسره لي وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني".

    (الشرح)

    قال المصنف-رحمه الله-: " سن لمريده"، المصنف يريد أن يذكر السنن المتعلقة بالإحرام، قال: "غسل" هذه أول السنن، فينبغي لمن أراد أن يحرم بحجٍ أو عمرة أن يغتسل أيًا كان سواء رجلًا أو امرأةً وسواءً كانت المرأة حائضا أو نفساء أو طاهرة، فعلى أي حال- يسن لمن أراد أن يحرم- يسنُّ له أن يغتسل، ودليل هذا: حديث أسماء-رضي الله تعالى عنها-: «أن النبي rأمرها أن تغتسل حين أرادت الإحرام وهي نفساء»([16]).

    ثم قال-رحمه الله-: "سن لمريده غسلٌ (أو تيمم لعدم)" أي: لعدم غسل أو إمكان غسلٍ لعدم ماءٍ أو عدم قدرةٍ على الغسل، فالمصنف يرى مشروعية التيمم كبديل عن الغسل في سنن الإحرام، هذ رأي المصنف وهو قول للحنابلة، لكن في المسألة قولٌ آخر ولعله هو الراجح: أن التيمم لا يشرع في مثل هذه الحالة، وكذلك سائر الأغسال المستحبة لا يُشرع لها التيمم، التيمم إنما يرفع فقط لإباحة العبادة من صلاةٍ ونحوها.

    ثم قال المصنف-: "وتنظف" وهذا أمرٌ زائد عن الاغتسال، ويريد العلماء بقولهم" التنظف": تقليم الأظافر وحلق العانة ونتف الإبط ونحوها، كثير من الناس يربط هذه الأشياء بالإحرام، ربما يكون حديث عهد بإزالة هذه الأشياء ثم يتقصّد إزالتها عند الإحرام، وهذا ليس عليه دليل لم يثبت هذا عن أحد- أعني إن تقصّد هذا الأمر-، لكن في الجملة ينبغي للمسلم أن يكون على هيئة طيبة إذا أراد أن يذهب إلى المسجد وبالذات وهو في طريقه إلى المسجد الحرام.

     الله تعالى يقول: {يَا بَني آدَمَ خُذُوا زينَتَكُمْ عنْدَ كُلّ مَسْجدٍ}[الأعراف:31]، فينبغي للإنسان أن يكون على أحسن هيئة، فإن كانت هذه الأشياء موجودة فينبغي أن يزيلها لهذا القصد، أما إن كان قد أزالها قريبًا فلا داعي لتكرار إزالتها.

    ثم قال-رحمه الله-: "وتطيبٌ" يعني: يستحب لمن أراد أن يحرم أن يتطيب، والمراد هنا: التطيب في البدن دون الملابس، وقد كان من هديه rفعل ذلك، فعن عائشة-رضي الله تعالى عنها- قالت: «كنتُ أُطيب رسول الله rلإحرامه قبل أن يُحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت»([17]).

    ثم قال-رحمه الله-: "وتجردٌ عن مخيط" هذا بالنسبة للرجل، فيجب عليه ابتداءً أن يتجرد عن المخيط، المصنف جعله من السنن، مراده من الإحرام سنة، لكنه بعد الإحرام يجب عليه أن يخلعه، الواقع أنه واجب، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيجب على الحاج قبل أن يحرم أو أن يدخل في نية النسك أن يتجرد من المخيط.

     والمقصود بـ "المخيط" هو كل لباسٍ مفصلٍ على قدر الجسم أو على قدر عضو منه، وليس المقصود بالمخيط ما وجد فيه خياطة، فقد يكون الإزار قطعتان وخيطا وأصبح قطعةً واحدة- فهذا لا بأس به، أو كان الحزام الذي يوضع فيه الأشياء فيه خياطة والحذاء فيه خياطة- هذا لا يؤثر، المقصود بـ "المخيط" حين يقول العلماء: "المخيط مقسوم مفصّل على البدن" كالثوب مثلًا "أو على عضو منه" مثل الفانيلة أو السراويل أو نحو ذلك.

    ثم قال-رحمه الله-: "ويحرم في إزار ورداء" يسن للمحرم أو لمن أ راد الإحرام أن يلبس إزارًا ورداءً، فقد أمر النبي rبذلك وصنعه، قال r: «ليحرم أحدكم في إزارٍ ورداء ونعلين»([18])، ثم قال-رحمه الله-: "أبيضين" يستحب في الإزار والرداء أن يكونا أبيضين- وهذا يستحب، لكن لو أحرم الحاج بغير الأبيض -كالأخضر ونحوه- فلا بأس بهذا، لكن إذا كان أحمرًا كاملًا فلا يصح، لأنه ليس للرجل أن يلبس اللباس الأحمر، أما المرأة فالأمر في هذا واسع.

    والدليل على استحباب الأبيض دون غيره:- قول النبي r: «الْبَسُوا منْ ثيَابكُمُ الْبَيَاضَ فَإنَّهَا منْ خَيْر ثيَابكُمْ، وَكَفّنُوا فيهَا مَوْتَاكُمْ»([19])، و أيضًا قوله r: «الْبَسُوا منْ ثيَابكُمُ الْبَيَاضَ فَإنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ وَكَفّنُوا فيهَا مَوْتَاكُمْ »([20]).

    ثم قال-رحمه الله-: "وإحرام عقب ركعتين" يسن للمسلم -إذا أراد أن يحرم إذا لم يوافق صلاةً مفروضة- أن يصلي ركعتين ثم يحرم بعدهما، هذ ما يراه المصنف-رحمه الله- وهو مذهب جمهور العلماء الأئمة الأربعة-رحمهم الله تعالى-، وفي المسألة قولٌ آخر فقالوا: ليس هذا مشروعًا، والمسألة الخلاف فيها كبير، ومن قال بمشروعية هاتين الركعتين استدل بما روي عن النبي rفيما يرويه عن ربه -جل وعلا- أنه قال: «صل في هذا الواد المبارك وقل عمرة في حجة»([21])، وثبت أن النبي rأحرم بعد أن صلى الظهر فالأمر في هذا واسع.

    ثم قال -رحمه الله-:"ونيته شرط"، يعني لا يكفي أن الإنسان يتجرد من الملابس ويلبس الإزار والرداء ثم بعد هذا يصير محرما لا يكفي هذا بل لابد أن ينوي الدخول في الإحرام لقول النبي r: «إنما الأعمال بالنيات»، وهل يشترط أن يلبي عن نية أو أن يسوق الهدي ؟ قال بذلك بعض العلماء، لكن الراجح: أن ذلك ليس بشرط، فيكفي إذا نوى الدخول في النسك- لما ذكرنا في الحديث السابق.

    قال المصنف بعد هذا: " ويستحب قوله: اللهم إني أريد نسك كذا فيسره لي وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني"، يعني: اللهم إني أريد نسك-مثلًا- التمتع أو الإفراد، "فيسره لي وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" في هذه العبارة مسألتان:-

    المسألة الأولى: الجهر بالنية، هل يُشرع لمن أراد أن يحرم أن يتلفظ بنيته ويقول: أريد النسك الفلاني ؟

     المعهود عند الحنابلة وهو مذهب جمهور العلماء: أن الجهر بالنية غير مشروع، لكنهم في هذه المسألة بالذات نصّوا على سنية ذلك، ولا شك أن هذا القول بـ (سنية الجهر بالنية) هذا ليس عليه دليلٌ صريح، حيث لم يؤثر عن النبي rولا عن أحدٍ من أصحابه-رضي الله تعالى عنهم-، فنقول: تكفي النية ولا داعي أن يقول: إني أريد نسك كذا وكذا.

    المسألة الثانية في قوله "فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" وهذا ما يسميه العلماء بالاشتراط:- فهل يُشرع لمن أراد أن يحرم أن يشترط ؟

     والمراد بـ "الاشتراط" بحيث إذا حصل عائق لهذا الحاج يمنعه من إتمامه نسكه أن يتحلل وليس عليه شيء، لو حُصر ونحو ذلك- قالوا: يخلع إحرامه ويرجع إلى بلده وليس عليه شيء إن كان قد اشترط، وإن لم يشترط فستأتي أحكام المحصر ومنها: أن عليه هدي، فهذا الاشتراط لتنافي الهدي أو أي التزامات أخرى-كما ستأتي إن شاء الله-.

    على أي حال: هذا الاشتراط عند الإحرام مشروع، ودليله: حديث عائشة-رضي الله تعالى عنها- قالت: «دَخَلَ النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ عَلَىَ ضُبَاعَةَ بنْت الزُّبَيْر ابْن عَبْد الْمُطَّلب، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إنّي أُريدُ الْحَجَّ، وَأَنَا شَاكيَةٌ (يعني: مريضة)، فقال النبي r: «حُجّي وَاشْتَرطي أَنَّ مَحلّي حَيْثُ حَبَسْتَني»([22])، فهذا لا شك دليلٌ على مشروعية الاشتراط عند الإحرام وأن الاشتراط فيه فائدة ومصلحة.

     لكن الخلاف: هل الاشتراط مشروعٌ لكل من أراد الإحرام أو لفئة معينة؟ الثابت: أن النبي rوأصحابه –رضي الله تعالى عنهم- لم يشترطوا، لم يروى أنه اشترط إلا أسماء-رضي الله تعالى عنها-، بعض العلماء يقول: يُشرع لكل أحد أن يشترط، وبعضهم قال-ولعل هؤلاء لم يبلغهم الحديث- فقالوا: يُشرع لمن خشي على نسكه لظرف من الظروف- ولعل هذا القول هو الراجح.

     فإذا كانت الأمور طيبة والأحوال مستقيمة فينبغي للإنسان أن يتأسّى بالنبي rولا يشترط ويتوكل على الله، وإن كان يخشى من مرضٍ أو حبسٍ أو غير ذلك أو عائق: فهنا يُشرع له الاشتراط أخذًا بذلك الحديث.

    (المتن)

    قال-رحمه الله-: "وأفضل الأنساك: التمتع وصفته: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج في عامه وعلى الأفقي دم وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج أحرمت به وصارت قارنة".

    (الشرح)

    ثم قال المصنف بعد هذا: "وأفضل الأنساك: التمتع"، للحج ثلاثة أنساك: التمتع والقران والإفراد، وسنذكر-إن شاء الله- صفتها وصفاتها بعد قليل، المصنف هنا يقول: "أفضل الأنساك" كلام المصنف يدل على أن الأمر مهم جدًا وهو: أن المسألة على التفضيل وليست على الترتيب أو على الإلزام.

     فلمن أراد الحج أن يأخذ بأي نسكٍ شاء، وهذا هو الراجح، بل هو الذي عليه جمهور العلماء لقول عائشة-رضي الله تعالى عنها- وغيرها من الصحابة قالت: «خرجنا مع رسول الله rفمنا من أهلّ بعمرةً ومنا من أهلّ بعمرةً وحج، وأهلّ رسول الله rبحج»([23])فهؤلاء الصحابة-رضي الله تعالى عنهم منهم المتمتع ومنهم القارن ومنهم المفرد.

    قال المصنف-رحمه الله- بعد هذا: "وأفضل الأنساك: التمتع" المصنف يرجح أن الأفضل هو التمتع، هي-كما ذكرنا- ثلاثة أنساك، لماذا المصنف نصّ على التمتع أنه أفضل من غيره مع أن النبي rحجّ قارنًا ؟ الخلاف في المسألة كبير وقوي جدًا:-

     فالذين قالوا بـأن (الأفضل: التمتع) قالوا ذلك: لأن النبي rأمر من لم يسق الهدي من أصحابه ممن كان قارنا أن يتمتع، يعني: أن يحل من عمرته ثم يحرم في اليوم الثامن، كما ثبت ذلك في حديث جابر وغيره-رضي الله تعالى عنهم-([24]).

    ·    بعض العلماء قالوا: (الأفضل: القران) لأن النبي rحجّ قارنا.

    ·  بعضهم قال: الأفضل هو: الإفراد، لأن مأثور عن أبي بكر وعمر-رضي الله عنهما- أنهم كانوا يحجون مفردين بالحج.

    المسألة الخلاف فيها قوي، ولعل أرجح الأقوال: هو القول بـ "التمتع هو الأفضل" لأنه أكثر الأنساك عملًا وفيها –أيضًا- هدي، فالذي لم يسق الهدي من بلده فهذا الأفضل له أن يتمتع لما ذكرنا وأكثرها عملًا، وهو الذي أمر به النبي rأصحابه وأيضًا قال قولته المشهورة: «لَوْ اسْتَقْبَلْت منْ أَمْري مَا اسْتَدْبَرْت ، مَا سُقْت الْهَدْيَ ولجعلتها عمرة»([25])يعني: ولا تمتعت معكم، فتأسف النبي rأنه لم يصنع هذا.

    ثم قال-رحمه الله- مبينًا صفة التمتع: "وصفته: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج في عامه" لا يكون الإنسان متمتعًا إلا إذا توفرت في حجه وعمرته ثلاثة شروط:-

    الشرط الأول: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، مر معنا أشهر الحج تبدأ من بداية شوال، فتكون عمرته في شوال، فإن أحرم بالعمرة في رمضان فلا يكون متمتعًا.

    الشرط الثاني: أن يفرغ منها، يعني يتحلل من عمرته فيطوف ويسعى ويقصّر.

    الشرط الثالث: ثم يحرم بالحج بعد هذا في نفس السنة، وهذا هو الشرط الثالث: أن يحرم بالحج في عامه، فلو اعتمر في أشهر الحج في سنة ثم حج في سنة أخرى: فذا ليس متمتعًا، لا بد أن تكون عمرته وحجه في سنة واحدة وأن تكون العمرة في أشهر الحج وليس قبل ذلك، وأيضًا لا بد أن يحل من عمرته.

    ثم قال المصنف بعد هذا: "وعلى الأفقي دم" المراد بالأفقي: هو الذي ليس من حاضر المسجد الحرام، فالمتمتع يلزمه هدي- بنص القرآن، قال تعالي: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بالْعُمْرَة إلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ منَ الْهَدْي فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَصيَامُ ثَلاثَة أَيَّامٍ في الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تلْكَ عَشَرَةٌ كَاملَةٌ ذَلكَ لمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضري الْمَسْجد الْحَرَام}[البقرة:196]، استثنى الله -جلا وعلا- حاضري المسجد الحرام بأن ليس عليهم هدي، أما من سواهم فيلزمهم الهدي إذا تمتعوا.

    بقي مسائل هنا:- من هم حاضري المسجد الحرام ؟

    اختلف العلماء فيهم على أقوال:-

    ·    قالوا: هم من كانوا دون مسافة قصرٍ من مكة، هؤلاء حاضري المسجد الحرام لا يلزمهم هدي إذا تمتعوا.

    ·    قال بعض العلماء: هم أ هل مكة.

    ·    قال بعضهم: هم أهل الحرم.

    أرجح الأقوال: أن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة وأهل الحرم، فمن كان من أهل مكة وإن كان خارج حدود الحرم فهو من حاضري المسجد الحرام، ومن كان يسكن داخل حدود الحرام وإن كان خارج مكة فهو من حاضري المسجد الحرام، فمثل هؤلاء إذا تمتعوا ليس عليهم هدي، وهذا أرجح الأقوال في المسألة.

    بقي مسألة وهي: هل يلزم القارن هدي ؟

    نعم، القارن يلزمه هدي ومثله مثل التمتع، لأن العلماء والصحابة يسمون القارن متمتعا، وأيضا لأنه أدى نسكين في سفرةٍ واحدة ومثله المتمتع، فشكرًا لله تعالى على أن مكنّه من أداء نسكين في سفرةٍ واحدة، بل يجب عليه أن يتقرب إلى الله- جلا وعلا- بذبح هدي.

    مسألة:

    لو أن شخصًا بعد أن أحرم بعمرته في أشهر الحج رجع إلى بلده ثم بعد هذا –حين قرب الحج- قدم إلى مكة وأحرم بالحج، فهل يكون متمتعًا ؟ أعني: هل يسقط التمتع بالرجوع إلى البلد ؟

    المسألة محل خلاف، أرجح أقوال العلماء: أنه إذا رجع إلى بلده فإن التمتع يسقط في هذه الحالة، وهو لو حجّ: فيكون حجه مفردًا.

     لكن لو سافر إلى أي بلدٍ آخر:- أرجح أقوال العلماء: أنه لا ينقطع تمتعه، فمثلًا لو أن شخصًا أتى من بلاد الهند مثلًا وأنهى عمرته، ثم بعد هذا سافر إلى المدينة، ثم حين أتى الحج خرج حاجًا إلى مكة: فهذا باقٍ على تمتعه، لأنه وإن سافر لكنه لم يرجع إلى بلده، هذا أرجح الأقوال في المسألة، ثم فيه أثر عن عمر t: "أن التمتع لا يسقط إلا بالرجوع إلى البلد"([26]).

    حتى الآن المصنف لم يذكر شيئًا، بل هو إتمامٌ لكلامه السابق، فالمصنف عرّف لنا قبل قليل التمتع ولم يعرف لنا بقية الأنساك، نأتي لتعريف الإفراد.

    "الإفراد"هو أن يحرم الإنسان بالحج وحده، ثم يتحلل منه، يعني لا يدخل عليه شي التفاصيل

    0
    1063
  • شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام
  •  

     


    شرح

    كتاب الصيام

    من

    زاد المستـــقنع

     

    للإمام الشيخ

    موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي

    - رحمه الله -

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    شرح فضيلة الشيخ

    أ.د. محمد بن عبدالله المحيميد

    - حفظه الله -

     


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

    هذا هو شرح كتاب الصيام من شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للعلامة موسى الحجاوي-رحمه الله-.

    (المتن)

    يقول-رحمه الله-: "كتاب الصيام".

    (الشرح)

     بدايةً نعرّف الصيام، "الصيام" لغةً: مجرد الإمساك، فمن أمسك عن الأكل وقال صائم، كذلك من أمسك عن الكتابة وقال صائم عن الكتابة، ومن أمسك عن الكلام وقال صائم عن الكلام، قال تبارك وتعالى حكايةً عن مريم-عليها السلام-: {إنّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْمًا فَلَنْ أُكَلّمَ الْيَوْمَ إنسيًّا}[مريم:26]، أي : نذرت إمساكًا عن الكلام.

    وفي الشرع عُرِّف بعدة تعريفات، لعل من أجودها تعريف من قال: "هو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس".

    (المتن)

    قال-رحمه الله-: "يجب صوم رمضان".

    (الشرح)

    حكم صيام رمضان:- صيام رمضان مفروضٌ بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو ركنٌ من أركان الإسلام، ومن أدلة فرضيتهمن القرآن: قول الله-تبارك وتعالى-:{يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا كُتبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتبَ عَلَى الَّذينَ منْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183]، ويقول-سبحانه-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذي أُنزلَ فيه الْقُرْءَانُ هُدًى للنَّاس وَبَيّنَاتٍ منَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان فَمَنْ شَهدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185].

    ومن السنة أحاديث كثيرة، لعل من أوضحها وأظهرها: قوله r: «بُني الإسلام على خمسٍ»([1])وذكر منها «صيام رمضان»، وأجمعت الأمة على فرضية صيام رمضان، ورمضان فُرض في السنة الثانية من الهجرة، وصام النبي rتسع رمضانات بإجماع الفقهاء.

    (المتن)

    يقول-رحمه الله-: "يجب صوم رمضان برؤية هلاله".

    (الشرح)

    صوم رمضان يجب بواحد من ثلاثة أسباب: اثنان محل إجماع والثالث محل خلاف:-

    السبب الأول: رؤية الهلال، فإذا رأى المسلمون الهلال وجب عليهم الصيام، قال-تبارك وتعالى-: {فَمَنْ شَهدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185]، وشُهود الشهر إنما يكون برؤية هلاله.

    أيضًا قول النبي r: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ »([2]).

    السبب الثاني: إتمام عدة شعبان ثلاثين يوما، وهذا-كما ذكرت آنفًا- مُجمعٌ عليه، فإذا تحقق دخول شعبان ومضى منه ثلاثون يومًا فإن ما بعد الثلاثين هو أول رمضان فيجب صومه ولولم يُرى هلال رمضان، ودليل هذا: ما أخرجه البخاري ومسلم-رحمهما الله تعالى-: عن عبد الله بن عمر-رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله rقال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً ، فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ »([3]).

    السبب الثالث من أسباب وجوب الصيام: وجود غيمٍ أو قترٍ في مطلعه ليلة الثلاثين من شعبان يحول دونه، وهذا السبب-كما ذكرت قبل قليل- هو محل خلاف وسيأتي الكلام عليه بعد قليل إن شاء الله.

    (المتن)

    قول المصنف: " فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين".

     

    (الشرح)

    وهذا واضح لعدم وجود سبب من الأسباب السابقة.

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-:

    " وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه ".

    (الشرح)

    إذا حال بين الناس وبين رؤية القمر غيمٌ أو سحب أو "قتر"- يعني: غبار- ولم يتمكن الناس من رؤيته تلك الليلة والأمر محتمل فقد يكون الهلال موجودا وقد يكون غير موجود، فعند الحنابلة- وهذا من مفردات المذهب خلافًا للجمهور- يقولون: "يجب صوم ذلك اليوم لاحتمال أن يكون الهلال قد هلّ ولم يره الناس فيصام ذلك اليوم احتياطًا للعبادة".

     كذلك يقولون: "تُشرع صلاة التراويح في تلك الليلة لئلا يكون الهلال قد هلّ وتفوت هذه الليلة من رمضان"، لكن مع هذا لا يرتبون على هذا الأمر بقية الأحكام المتعلقة –أو: المبنية على دخول الشهر-، لأنهم يعتقدون أن الشهرَ لم يدخل بعد بيقين، فلو أن شخصًا مثلًا اتفق مع شخصٍ على أن يسدده مثلًا حقه في أول يوم من رمضان فلا يلزمه بالسداد في ذلك اليوم لأنه حتى الآن لم يتحقق دخول رمضان، ولو أيضًا رجلًا علق طلاق زوجته على دخول رمضان مثلًا فأيضًا نقول: لا يقع الطلاق في ذلك اليوم لأنه حتى الآن لم يثبت دخول الشهر، وإنما يصومونه احتياطًا.

    ويستدل بأدلة، من أدلتهم حديث ابن عمر-رضي الله عنهما- السابق وهو في الصحيحين: أن النبي rقال: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ »([4])، والشاهد منه: قوله r«فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ »، فقوله: إذا قدرنا شعبان -يعني ضيقناه- وأصبح تسعا وعشرين ليلة أو يومًا، وبالتالي يجب أن يُصام ذلك اليوم، يكون ذلك اليوم ليس من شعبان وإنما من رمضان.

    أيضًا يستدلون:-  بما صح عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما- أنه كان يصوم ذلك اليوم([5]).

    وهذه المسألة محل خلاف، أعني: إذا كان هناك غيمٌ أو قتر ليلة الثلاثين: هل يجب صوم اليوم الذي يلي تلك الليلة أو لا يجب ؟ فالحنابلة يوجبون صيامه، بل لهم مؤلفات في هذا.

     والمسألة محل خلاف، فمن العلماء من قال: صيامه مستحب، ومنهم من قال: صيامه مباح، يعني: لا مستحبًا ولا مكروهًا ولا واجبًا ولا محرمًا، بمعنى يكون كسائر الأيام، ومنهم من قال: يُكره صيامه.

     لكن لعل أرجح الأقوال: "أن صيام ذلك اليوم محرم" لأدلة منها:-

    قوله r: «لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ»([6]).

     وأيضًا حديث ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما- أن النبي rقال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً ، فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ »([7]).

     وفي حديث آخر: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ »([8])وهذا من حديث أبي هريرة t، فقوله: «فأكملوا العدة ثلاثين» أو «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» هذا أمر، والأصل في الأمر: أنه يقتضي الوجوب، وبالتالي: لا يجوز للمسلمين صوم ذلك اليوم، لأنه من شعبان بنص هذا الحديث.

    وأيضًا من أدلة الجمهور القائلين بتحريم صيام ذلك اليوم:- ما روي عن عمار tأنه قال: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ r»([9]).

    ولا شك أن هذا هو يوم الشك لوجود الغيم والقتر في مطلع الهلال، وما روي عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما- من صيام ذلك اليوم: هذا اجتهاد منه t، كان يفعله احتياطًا لنفسه، ولم يكن يرى صيام ذلك اليوم واجبًا، ولا كان يعتقد أنه من رمضان بدليل أنه لم يؤثر عنه أنه كان يأمر أهله بالصيام ولا كان يأمر من حوله بصيام ذلك اليوم، ولو كان يعتقد بأنه من رمضان وأن صيامه واجب لأمر أهله ومن حوله بالصيام.

    لا شك أن الراجح في هذه المسألة: أن صيام ذلك اليوم محرم، وأنه على المسلمين إذا كانت تلك الليلة فيها غيمٌ وقتر: أن يكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا ثم بعد هذا يصومون.

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-:

     "وإن رؤي نهارا فهو لليلة المقبلة"

    (الشرح)

    المقصود بهذا: أنه لا أثر لرؤية الهلال في النهار، أما بالنسبة لليلة السابقة: فهذا ظاهر، وكذلك في الليلة القادمة أيضًا لا أثر لرؤيته في النهار، فلا يصوم الناس إلا إذا رأوه بعد غروب الشمس، إن رأوه صاموا في اليوم التالي، وإن لم يروه فلا يصومون، هذا ثبت عن عمر t.

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-: "وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم".

    (الشرح)

    المصنف يشير إلى مسألة مهمةٍ جدا وهي: هل يلزم -إذا رؤي الهلال في بلد من بلاد المسلمين- جميع المسلمين في مختلف أقطار الدنيا أن يصوموا أو فقط الصوم واجبٌ على من رآه وعلى أهل البلد الذين رؤي الهلال في بلدتهم ؟

    هذه المسألة محل خلاف، وما ذكره المصنف هو مذهب جمهور العلماء -الأحناف والمالكية والحنابلة-، يقولون: إذا رؤي الهلال في بلدٍ من البلدان-سواءً في شرق الكرة الأرضية أو في غربها- فإنه يجب على كافة المسلمين في جميع أقطار الدنيا أن يصوموا، واستدلوا على هذه بأدلة:-

     منها قوله-تبارك وتعالى-: {فَمَنْ شَهدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185]، قالوا: شهادة الشهر لا يمكن أن تكون من جميع الناس بل يصدق عليها أنها شهادة ولو من بعض الناس.

     وأيضا استدلوا: بقول النبي r: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ »([10])والخطاب في قوله: «صوموا لرؤيته» خطاب لجميع المسلمين.

    ولذا قالوا: إن في صيامهم لذلك اليوم جميعًا أقرب هذا إلى اتحاد المسلمين واجتماع كلمتهم، هذه من أبرز أدلتهم.

     وفي المسألة أقوال أُخرْ، والقول القوي جدًا في هذه المسألة: هو قول الشافعية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: أن الصيام لا يجب إلا على أهل البلد الذي رؤي فيه الهلال وكذلك أهل البلدان التي توافق ذلك البلد في مطلع القمر فقط، أما سائر بلدان المسلمين فلا يجب عليهم الصيام حتى يروه.

    واستدلوا بأدلة:-

    منها: أن مطالع القمر تختلف، وهذا باتفاق أهل الفلك، فإذا كانت تختلف المطالع فقد يطلع القمر عند قومٍ ولا يطلع عند آخرين.

    ومن أقوى أدلتهم: حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- "أن أم الفضل بنت الحارث-رضي الله عنها- بعثت كريبًا tإلى معاوية tبالشام، فقدم المدينة من الشام في آخر الشهر، فسأله ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- عن الهلال فقال كريب: رأيناه ليلة الجمعة، فقال ابن عباس-رضي الله عنهما-: لكنّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه، فقال كريبٌ t: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال ابن عباس-رضي الله عنهما-: لا، هكذا أمرنا رسول الله r"([11]).

     وهذا نصٌ صريح أن الرؤية تختلف، فهذا ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- لم يلتزم برؤية معاوية ولا بصيامه، مع أن معاوية tكان الخليفة في ذلك الزمن.

    أي هذه الأقوال أرجح ؟

    لا شك أن كلا القولين قوي جدًا، والترجيح في هذه المسألة صعب، لكن من تمسك بنص ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- فلا تسريب عليه إن شاء الله.

    (المتن)

    قال المصنف: "ويصام برؤية عدل (ولو أنثى)".

    (الشرح)

    المصنف-رحمه الله- بدأ الآن يبين شروط من تُقبل شهادته في رؤية الهلال، فقال: "برؤية عدلٍ" ولم يقل برؤية عدلين، وهذا يؤخذ منه أنه لا يشترط التعدد في الشهادة، وأنه يكفي شاهدٌ واحد، وهذا هو مذهب الحنابلة والشافعي. وهو الراجح إن شاء الله تعالى.

    ودليل هذا: ما روي عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما- قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي rأني رأيته فصام و أمر الناس بصيامه "([12]).

    وأيضًا من أدلتهم: حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء أعرابيّ إلى النبي rفقال: إني رأيت الهلال، فقال النبي r: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم، قال: «أتشهد أن محمّداً رسول الله؟» قال: نعم ، فقال النبي r: «يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا»([13])وهذا واضح الدلالة وصريح الدلالة على قبول شهادة الواحد في رؤية هلال رمضان.

    في المسألة قول آخر، قالوا: يُشترط في ثبوت دخول الشهر شهادة اثنين، واستدل أصحاب هذا القول:-

     بما روي عن عبدالرحمن بن زيد الخطاب عن أصحاب رسول الله rأن النبي rقال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلاَثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا »([14])، وهذا الشاهد: «فإن شهد شاهدان ذوا عدلٍ فصوموا وأفطروا» لكن تلك الأدلة أخص من هذا الدليل، وهذا يحمل على بقية الأشهر.

     

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-: "ويصام برؤية عدلٍ".

    (الشرح)

    إذًا المصنف نص على العدل، وهذا شرطٌ لقبول الشهادة على رأي المصنف، فلا تقبل شهادة الفاسق، والمقصود بالعدل: هو المستقيم، ويعرف الفقهاء: بأنه من لا يقترف كبيرة ولا يصر على صغيرة، وضده: الفاسق، قال-تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسقٌ بنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}[الحجرات:6]، لكن العدل بالوصف الذي ذكرناه (لا يقترف كبيرة ولا يصر على صغيرة) عزيزٌ لا سيما في هذا الزمن، ولكن المسألة إنما تكون بالتسديد والمقاربة، فإذا ارتضى القاضي أو الحاكم شهادة الشاهد بحيث لم يُعرف عنه كذب فتقبل شهادته في هذه الحالة، لقول الله تعالى: {ممَّنْ تَرْضَوْنَ منَ الشُّهَدَاء}[البقرة:282].

    وأيضًا: الله -جل وعلا- لم يأمرنا برد شهادة الفاسق، فقط أمرنا بالتبين، كما مر معنا في قوله-سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسقٌ بنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}[الحجرات:6]، ولم يقل: ردوها، فإذا ارتضى القاضي أو الحاكم شهادة الشاهد -وإن كان عليه بعض مظاهر الفسق- إذا ارتضى شهادته حيث لم يعرف عنه كذب وعرف عنه غيرته على الإسلام وحرصه على ما يتعلق بمصالح الأمة فإنها تُقبل شهادته ولا ترد.

    قول المصنف-رحمه الله-: "ولو أنثى" يعني: أن الأنثى تقبل شهادتها، وأنه لا يشترط أن يكون الشاهد ذكرا، وهذا هو مذهب الحنابلة، وحجة الحنابلة في هذا: أن هذا خبر ديني يستوي فيه الرجال والنساء، كسائر الأخبار الدينية، كما تقبل شهادة المرأة في رواية الحديث وكذلك في مواقيت الصلاة فينبغي أن يقبل خبرها في رؤية الهلال.

    وأيضًا المصنف يُفهم من قوله "ويُصام برؤية عدلٍ ولو (أنثى)" دون تفصيل: أن شهادة الرقيق تقبل في هذا، وهذا هو الراجح في المسألة خلافًا للشافعية، لما ذكرنا أن هذا خبر ديني فتقبل فيه شهادة الرقيق كما تقبل فيه شهادة الحر.

    للقاعدة: أن ما ثبت في حق الأحرار من الأحكام البدنية المحضة فإنه يثبت في حق الأرقة إلا بدليلٍ يفرق، كذلك هناك قاعدة: أن ما ثبت في حق الرجال أيضًا يثبت في حق النساء إلا بدليلٍ يفرق.

    فمما سبق: يؤخذ أن شهادة الواحد مقبولة، وأن شهادة المرأة مقبولة، وأن شهادة الرقيق مقبولة في ثبوت رؤية الهلال.

    عندنا مسألة قبل تجاوز هذا الموضوع:- وهي مسألة خروج الشهر (انتهاء شهر رمضان ودخول شهر شوال):-

     العلماء مجمعون-رحمهم الله- على أن رؤية شهر شوال- وكذلك غيره من الشهور مما سوى رمضان- لا تثبت إلا بشهادة رجلين ولا يكتفى بالواحد، ودليل هذا ما مر معنا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب-رضي الله تعالى عنهم- الذي جاء فيه: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلاَثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا »، «فإن شهاد شاهدان ذوا عدلٌ فصوموا وأفطروا»([15])

    وهذه المسألة حكى بعض العلماء الإجماع فيها، فلا نقف عندها طويلًا، فالمقصود: أن دخول شوال وكذلك سائر الأشهر مما سوى رمضان لا يثبت إلا برؤية شاهدين.

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-: "فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما ولم ير الهلال أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا"

    (الشرح)

    هنا مسألتان:-

    الأولى: إذا صاموا بشهادة شخصٍ واحد، ثلاثين يومًا ولم ير الهلال: هل يفطر الناس ؟ إن كان هلال رمضان ثبت برؤية شاهدين فلا خلاف بين العلماء: أن الناس يفطرون إذا أمضوا ثلاثين يومًا ولم يُر الهلال، لكن الإشكال فيما إذا كان الشهر ثبت برؤية شخص واحد، ومر معنا قبل قليل أن دخول رمضان يثبت بشهادة شاهدٍ واحد ولو امرأة ولو رقيق، فإذا ثبت الشهر برؤية واحد ومضى ثلاثون يومًا ولم يُر هلال شوال: فهل يُفطر الناس أو لا يُفطرون ؟ المسألة محل خلاف.

    المصنف-كما سمعنا- يقول: لا يفطرون، بل ينتظرون حتى يروا الهلال، وهذا هو مذهب الحنابلة،  قالوا: لا يثبت خروج الشهر إلا بشهادة رجلين، وهذا الصوم مبني على شهادة رجل واحد، فهو مبني على سبب لا يثبت به خروج الشهر، فلو أفطروا لكانوا قد بنوا على شهادة واحد وهو الذي شهد بإدخال الشهر، وهذا لا يقبل في الفطر.

    القول الثاني ولعله الراجح: أنهم إذا أتموا ثلاثين يومًا بعد تلك الرؤية فإنه يلزمهم الفطر، وهذا مذهب الشافعية، وحجتهم قالوا: إن الفطر تابعٌ للصوم ومبني عليه، والصوم ثبت بدليلٍ شرعي معتبر، وقد صاموا ثلاثين يومًا ولا يمكن أن يزيد الشهر عن ثلاثين يوما، وأيضًا فإن فطرهم في هذا إنما يثبت تبعًا وليس استقلالًا، ويقل العلماء: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالا.

    قال المصنف-رحمه الله- وهي المسألة الثانية: "أو صاموا لأجل غيمٍ لم يفطروا" هذه المسألة لا ترد إلا عند الحنابلة، هم الذين يقولون: إذا كانت ليلة الثلاثين فيها غيمٌ أو قتر فإنه يجب على الناس صيام اليوم الذي يليها، فلا ترد هذه المسألة إلا عندهم، ومع هذا إذا صاموا بناءً على ذلك فيقولون: لا يفطر الناس ولو أمضوا ثلاثين يومًا، لأن دخول الشهر في تلك الحالة مشكوكٌ فيه، فينتظرون حتى يروا هلال شوال، لأن صيامهم في أول الأمر احتياطًا فيقولون: كما احتطنا لدخول الشهر فأيضًا نحتاط لخروجه.

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-: "ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله أو رأى هلال شوال صام".

    (الشرح)

    يعني في المسألتين:-

    المسألة الأولى: إذا رأى شخصٌ هلال رمضان وحده: ردت شهادته ولم تقبلها المحكمة بأي سبب من الأسباب، فهل يلزمه الصوم لوحده أو يكون مع الناس ؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:-

    القول الأول: أنه يجب عليه أن يصوم وحده، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة-رحمهم الله-، واستدلوا بأدلة: منها قوله تعالى:{فَمَنْ شَهدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185]، وقالوا: هذا شهد الشهر فيلزمه الصوم، وكذلك قول النبي r: «صوموا لرؤيته » وهذا قدر رآه فيلزمه الصوم.

    والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن أحمد-رحمه الله- واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: أنه لا يجب عليه الصوم، بل يظل مفطرًا فلا يصوم إلا مع الناس، واستدل أصحاب هذا القول: بقول النبي r: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون»، وفي رواية: «صومكم يوم تصومون وأضحاكم يوم تضحون»([16]).

    وقالوا: إن المعتبر هو ما عليه جماعة المسلمين، فإذا لم يعتبر عندهم هذا اليوم من رمضان فهو من شعبان، فلا يصح أن يصوم هذا الشخص يومًا هو من شعبان.

    ولا شك أن هذا هو الراجح، وإن كان الأول فيه احتياط، لكن على أي حال: من أراد أن يأخذ بالقول الأول ويصوم فينبغي له أن يصوم سرًا حتى لا يحصل له منازعة من سائر الناس الذين لم يصوموا ذلك اليوم.

    المسألة الثانية: إذا رأى شخص هلال شوال وحده وردت شهادته: فهل يفطر ويُعَيّد أو ينتظر حتى يفطر الناس ؟

    المسألة-أيضًا- محل خلاف بين العلماء كالمسألة السابقة، على قولين:-

    القول الأول: أنه لا يجوز له الفطر ويلزمه الصوم، وهذا مذهب جمهور العلماء ومنهم الحنابلة، وأيضًا اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-، واستدلوا بالحديث السابق الذي مر معنا: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون»، وأيضًا استدلوا بما مر معنا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب-رضي الله عنه- وفيه: «فإن شهد شاهدان ذوا عدلٍ فصوموا وأفطروا» وقالوا: هنا لم يره إلا شخص واحد فلا يصح أن يُفطر.

    القول الثاني في المسألة: أنه لا يلزمه الصوم ويجوز له الفطر، و هذا قول للشافعية، وهو قول ابن حزم-رحمه الله- وقولٌ لبعض المتأخرين، واستدلوا بما مر معنا من قول النبي r: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا» وقالوا: هذا رأى الهلال فينبغي له أن يفطر.

    لكن بلا شك أن الراجح هو قول جمهور العلماء في هذه المسألة: أنه يجب عليه أن يصوم ولا يفطر، لأنه ربما لم ير الهلال حقيقةً وإنما توهم في ذلك، فلا يصوم ولا يخالف الناس.

    هنا مسألة تتعلق بهذه قبل أن نتجاوزها: لو صام شخصٌ برؤية بلد ثم سافر لبلد آخر قد صاموا بعد ذلك البلد بيومٍ وأتم هو ثلاثين يوما ولم يُر الهلال، يعني: صيامه قبل الناس، ولم يُر الهلال في تلك البلد التي وصل إليها، فهل يُفطر على اعتبار أنه تم ثلاثين يومًا وإلا ينتظر حتى يُفطر أهل البلد الذي هو فيه ؟

    المسألة محل خلاف، والصحيح من أقوال العلماء: أنه يصوم مع الناس ولا يفطر، يبقى مع الناس ولو صام واحدا وثلاثين يوما، لما مر معنا من قول النبي r: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون»، فعلق الحكم على جماعة المسلمين.

     وأيضًا في حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- الذي مر معنا: حيث لم يأخذ ابن العباس برؤية معاوية، ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- لم يأمر كريبًا أن يفطر على اعتبار أنه صام مع أهل الشام ثلاثين يومًا، بل أمره أن يأخذ برؤية أهل المدينة ويصوم معهم.

    وهذه المسألة تقاس قياسًا جليًا على مسألة ما لو أن الشخص أمسك في بلد وسافر باتجاه الغرب فسيطول عليه النهار فيفطر أهل بلده قبل فطره: فلا يفطر حتى تغرب عليه الشمس مهما كان الأمر، فكذلك في هذه المسألة نقول: من صام في بلده فلا يفطر إلا مع البلد الذي وصل إليه.

    (المتن)

    ثم قال-رحمه الله-: "ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر".

    (الشرح)

    المصنف-رحمه الله- بدأ في ذكر شروط من يجب عليه الصيام، وذكر المصنف أربعة شروط: الإسلام والعقل والبلوغ والقدرة.

     أخذنا شرطي (العقل والبلوغ) من قول المصنف: "مكلف"، إذ "المكلف" عند الفقهاء: هو العاقل البالغ، وهذه الشروط محل إجماع بين العلماء، فالكافر لا يصح منه الصيام ولا يجب عليه، ومعنى قولنا: (لا يجب عليه) بمعنى: لو طالبوه في حال كفره وإذا أسلم لا يؤمر بقضائه.

    والدليل على أن الصيام لا يصح من الكافر وكذلك سائر العبادات: قول الله-تبارك وتعالى-: {وَقَدمْنَا إلَى مَا عَملُوا منْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}[الفرقان:23]، الكافر مطالب أولًا بالإسلام، لقول النبي rلمعاذ tحين بعثه إلى اليمن: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ »([17])، فالعبادات لا تأتي إلا بعد الإسلام.

    والشرط الثاني والثالث وأعني (العقل والبلوغ) دليله: حديث عليّ t: أن النبي rقال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ : عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ »([18]).

    الشرط الرابع والأخير: أن يكون الشخص قادرًا، وهذا محل إجماع بين العلماء، فلا يجب الصيام على غير القادر، لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16]، وقوله-تبارك وتعالى-: {لا يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا}[البقرة:286]، وأيضًا قول النبيr: «إذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ »([19]).

    و"غير القادر" له حالتان:-

    الأولى: أن لا يستطيع في الوقت ويستطيع بعد الوقت، يعني لا يستطيع في رمضان، لكن ممكن أن يستطيع بعد رمضان، كالمريض الذي يرجى برؤه، فهذا يُفطر في رمضان، لكن يجب عليه القضاء إذا استطاع بعد رمضان.

    الحالة الثانية: أن لا يستطيع لا في رمضان ولا بعد رمضان، كالمريض الذي لا يرجى برؤه، فهذا يُفطر وعليه الإطعام، كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.

    (المتن)

    ثم قال المصنف-رحمه الله-: "وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلا لوجوبه".

    (الشرح)

    المصنف هنا يشير إلى مسألتين:-

    المسألة الأولى: إذا قامت البينة في أثناء النهار، بمعنى: شخص أو أهل بلد لم يعلموا أن هذا اليوم من رمضان إلا في وقتٍ متأخر في أثناء اليوم من نصف النهار أو بعد العصر أو نحو ذلك، فماذا عليهم ؟

     أما وجوب الإمساك: فمحل إجماع بين العلماء، بمعنى: يجب عليهم أن يمسكوا عن المفطرات بعد علمهم أن هذا اليوم من رمضان، ودليل هذا:-

     قوله-تبارك وتعالى-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16]، وهذا يستطيع أن يتقي الله في باقي اليوم بامتثال الأمر.

    وأيضًا: ما صح عن سلمة بن الأكوع t: «أن النبي rأرسل إلى قومٍ أكلوا أول اليوم من عاشوراء أن أمسكوا وأتموا الصيام»([20])مع أنهم أكلوا أول اليوم، بنص الحديث: أمرهم أن يمسكوا بقية اليوم.

    وأما هل يجب عليهم القضاء ؟ فالمسألة فيها خلاف:-

    القول الأول: أنه يجب عليهم القضاء، أي قضاء ذلك اليوم، وهذا مذهب جمهور العلماء، قالوا: لأنه لم يصم يومًا كاملا، وأيضًا لم يبيت النية من الليل إلى الصيام.

    القول الثاني: أنه لا يجب على أولئك أن يقضوا هذا اليوم، يكتفوا بما أمسكوا منه، ولهذا ذهب بعض العلماء ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-، واستدلوا بأدلة: من أهمها: أن الذين أكلوا أول اليوم في عاشوراء وأمرهم النبي rبالإمساك بقية اليوم لم يأمرهم النبي rأن يقضوا ذلك اليوم، ولو كان أمرهم لنقل، فلما لم يُنقل عُلم أنه لم يأمرهم rبذلك،

    وأيضا: الإنسان لا يُكلف بشيء لم يعلمه، وهؤلاء كانوا في أول اليوم لم يعلموا أنه من رمضان.

    على أي حال: هذه المسألة في هذا الزمن هي نادرة الوقوع، حيث توفرت وسائل الاتصال ومعرفة دخول الشهر، ولله الحمد والمنة.

    المسألة الثانية: من صار أهلًا للوجوب في أثناء النهار، فهل يجب أن يمسك وأن يقضي؟ فإذا بلغ الصبي في أثناء اليوم أو أسلم الكافر أو أفاق المجنون، فما الحكم ؟ المسألة محل خلاف:-

    القول الأول: أنه يجب عليه الإمساك بقية اليوم وأيضًا القضاء، وهذا ما قرّره المصنف-رحمه الله- والمشهور من مذهب الإمام أحمد-رحمه الله- وهو قول أبي حنيفة، واستدلوا بالأدلة السابقة كما في حديث عاشوراء.

    القول الثاني: أنه يجب عليهم الإمساك دون القضاء، وهذا هو مذهب مالك-رحمه الله- ورواية عن أحمد ورجّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-، قالوا: يجب عليهم الإمساك دون القضاء، واستدلوا بحديث عاشوراء: «أن النبي rأمر أولئك أن يسمكوا بقية اليوم»ولم يأمرهم بقضائه رغم أنهم أفطروا في بداية اليوم، وهذا لا شك أنه كالنص الصريح، وعاشوراء في بداية الأمر كان صيامه واجبًا على المسلمين قبل أن يُشرع صيام رمضان.

    (المتن)

    قال المصنف: "وكذا حائض ونفساء طهرتا ومسافر قدم مفطرا".

    (الشرح)

    هؤلاء الثلاثة: الحائض إذا طُهرت والنفساء إذا طهرت والمسافر إذا قدم، يُضاف إليهم شخصٌ رابع وهو (المريض إذا شُفي)، هؤلاء على رأي المصنف يأخذون الحكم السابق: وهو جوب القضاء وأيضًا وجوب الإمساك.

     أما وجوب القضاء على هؤلاء فهو محل إجماع، لقوله-تبارك وتعالى-: {وَمَنْ كَانَ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:185]، فلا شك أن هؤلاء يجب عليهم القضاء، لكن هل يجب عليهم الإمساك بقية اليوم ؟ المسألة محل خلاف:-

     بعض العلماء وهو رأي المصنف-رحمه الله- وهو المذهب: أنه يجب عليهم أن يمسكوا بقية هذا اليوم، لأن فطرهم كان لعذر وقد زال العذر، والحكم يدور مع علته وجودًا و عدمًا، فإذا زال العذر يجب عليهم الإمساك.

    القول الثاني: لا يجب عليهم الإمساك، ما داموا أفطروا في أول النهار، وهذا اليوم لن ينفعهم فالقضاء متحتمٌ عليهم، فيجوز لهم أن يفطروا بقية النهار، وهذا القول مرويٌ عن الإمام أحمد-رحمه الله- ولعله الراجح، ودليله: ما روي عن ابن مسعود tأنه قال: "من أكل في أول النهار فليأكل في آخره"([21]).

    (المتن)

    قال المصنف بعد هذا: "ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينا".

     

    (الشرح)

    المصنف يبين لنا أنه يجوز للكبير والمريض مرضًا لا يُرجى برؤه: أن يُفطر ولا يصوم في رمضان، لكن ماذا عليه ؟ قال المصنف: عليه أن يطعم لكل يومٍ مسكينا، وهذا لا شك أنه محل إجماع، أعني مشروعية الإفطار لهم،  وعدم الصيام.

     لكن هل يجب عليهم الإطعام ؟

    المسألة محل خلاف:-

    القول الأول: أنه يجب عليهم الإطعام، وهو مذهب جمهور علماء الأحناف والشافعية والحنابلة، ودليلهم: ما صح عن ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- في تفسير قول الله-تبارك وتعالى-: {وَعَلَى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فدْيَةٌ طَعَامُ مسْكينٍ}[البقرة:184]قال: الشيخ والشيخة يُفطرون ويُطعمون([22]).

    القول الثاني للإمام مالك-رحمه الله-: أنهم يُفطرون ولا شيء عليهم، لكن هذا ولا شك أنه قولٌ ضعيف ولا دليل عليه، وقول ابن عباس حجةٌ عليه.

    ثم قال-رحمه الله-: "أطعم لكل يومٍ مسكينا" ولم يبين-رحمه الله- القدر المجزي في الإطعام، وهذه المسألة محل خلاف:-

    القول الأول: أن الواجب أن يطعم عن كل يوم مد من البر، وهذا القول لبعض العلماء، وهذا مذهب الحنابلة.

    القول الثاني: أن الواجب نصف صاعٍ من أي طعام كان.

    القول الثالث: الواجب مد من أي طعام كان.

    لكن لعل القول الراجح في هذه المسألة: أنه لا حد ولا قدر لما يطعمه الإنسان، حيث وردت الآية مطلقة دون تحديد، والقاعدة: "أن ما أتى في الشرع ولم يحدد، المرجوع في تحديده إلى العرف"، ولعل هذه الآية تحددها آية كفارة الأيمان حين قال-تبارك وتعالى-: {منْ أَوْسَط مَا تُطْعمُونَ أَهْليكُمْ}[المائدة:89]، فمثل هذا يُطعم من وسط ما يُطعم أهله، فيصنع طعامًا في نهاية الشهر ويُطعم الفقراء منه، فإن كان الشهر ثلاثين يومًا أطعم ثلاثين مسكينا، وإن كان الشهر تسعا وعشرين يومًا أطعم تسعًا وعشرين مسكينا مما يُطعم أهله.

     

    (المتن)

    قال المصنف: " ويسن لمريض يضره".

    (الشرح)

    الفطر من أجل المرض هو محل إجماع بين العلماء، بنص قول الله-تبارك وتعالى-: {وَمَنْ كَانَ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:185]، والمصنف-رحمه الله- لم يفصل، قال: "ويسن لمريض يضره" والمريض له أحوال:-

    الحالة الأولى: أن لا يتأثر بالصوم، مثل الذي عنده مرض يسير، كنحو زكام يسير أو جرح أو نحوه، هذا لا يصوغ له الفطر.

    الحالة الثانية: إذا كان الصيام يشق عليه ولا يضره، فهذا يُكره له أن يصوم، ويُسن له أن يفطر.

    الحالة الثالثة: إذا كان الصوم يشق على الإنسان وأيضًا يترتب عليه ضرر، كالمريض مرض السكر أو مرض كلى ونحو ذلك، الصيام يضره في هذه الحالة، فما الحكم ؟ هنا لا شك أنه يحرم عليه أن يصوم، لقول الله-تبارك وتعالى-: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بكُمْ رَحيمًا}[النساء:29]، فلا يجوز للمسلم أن يعرض نفسه للهلاك، يأثم إذا صام في هذه الحالة.

    مسألة: هل يجوز للصحيح الذي لم يمرض أن يُفطر إذا خشي أنه لو صام مرض ؟ الجواب: نعم، لأن هذا بمعنى زيادة المرض بل هو أبلغ منه.

     

     (المتن)

    يقول-رحمه الله-: "ولمسافر (يقصر)".

    (الشرح)

    هذا معطوف على قوله "ويسن لمريض يضره ولمسافر يقصر"، يعني: ويسن الفطر لمريض يضره كما يسن الفطر لمسافر يقصر الصلاة.

    أولًا: الفطر لمسافر جائز بإجماع أهل العلم، قال-تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا كُتبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتبَ عَلَى الَّذينَ منْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}،{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ منْكُمْ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:184].

    وهل يجوز للمسافر أن يصوم في حال سفره ؟ الله تعالى يقول: {فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:184]، نعم الصيام له جائز بما ثبت عن النبي r: «أنه كان يصوم وهو مسافر»([23]).

    والمسافر له مع الصيام ثلاث حالات:-

    الحالة الأولى:أن لا يكون لصومه مزية على فطره، بمعنى: الأمر سيان صام أو أفطر ولا مشقة عليه ولا كلفة.

     وهذه الحالة اختلف العلماء فيها: هل أفضل للمسافر هنا أن يصوم أو أن يفطر ؟ اختلف العلماء في هذا على قولين:-

    القول الأول: أن الصيام أفضل، وهذا مذهب جمهور العلماء الأحناف والمالكية والشافعية، واستدلوا بأن هذا فعل النبي r، قال أبو الدرداء t: «كنا مع النبي rفي رمضان في يومٍ شديد الحر حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله rوعبد الله بن رواحة t».([24])

    والصوم لا يشق على الرسول rهنا، لأنه rكعادته لا يفعل إلا الأرفق والأفضل.

    وأيضًا من أدلتهم: أن الصوم في حال السفر أسرع في إبراء الذمة، فإن القضاء يتأخر وقد لا يتمكن الإنسان من القضاء لاحقًا، وأيضًا هو أسهل على المكلف غالبًا حين يصوم مع الناس، وأيضًا إذا صام في رمضان وهو مسافر فإنه يدرك الزمن الفاضل -زمن رمضان-.

    القول الثاني: أن الفطر أفضل من الصيام، وهذا ما قرره المصنف وهو مذهب الحنابلة، واستدلوا بأدلة عامة: منها حديث جابر tأن النبي rقال: «ليس من البر الصيام في السفر».([25])، لكن هذا يُحمل على ما إذا كان في الصيام مشقة على المسافر.

    والقول بأن "الصيام أفضل في حالة استواء الأمرين، أعني: الصيام أو الفطر" فيه جمع بين الأحاديث الواردة في الباب.

    الحالة الثانية:أن يكون الفطر أرفق بالمسافر، يستطع أن يصوم لكن الفطر أرفق به، في هذه الحالة لا شك أن الفطر أفضل، لأنه هو الرخصة، "والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته"، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح.

    الحالة الثالثة: أن يشق الصيام على المسافر مشقةً شديدة غير محتملة، فهنا يكون الصوم في حقه محرم، ودليل هذا:-

     حديث جابر t: «أنّ رَسُولَ اللَّه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ- خَرَجَ عَامَ الْفَتْح إلَى مَكَّةَ في رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَميم فَصَامَ النَّاسُ ، ثُمَّ دَعَا بقَدَحٍ منْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إلَيْه ، ثُمَّ شَربَ فَقيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلكَ : إنَّ بَعْضَ النَّاس قَدْ صَامَ ، فَقَالَ r:  أُولَئكَ الْعُصَاةُ أُولَئكَ الْعُصَاةُ ».([26])، فوصفهم النبي rبالعصاة لأنهم لم يتمثلوا للأمر ولم يقتدوا به في إفطاره rحيث يشق الصيام على الناس في ذلك الوقت أو في تلك الحالة.

    (المتن)

    ثم قال المصنف-رحمه الله-: "وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر".

    (الشرح)

    وهذه المسألة محل خلاف:-

    القول الأول: من شرع في الصيام ثم سافر فله الفطر، هذا هو المذهب عند الحنابلة ، واستدلوا: بما ثبت عن أ صحاب النبي rأنهم كان يصنعون ذلك، كان أحدهم ينوي الصيام ثم يسافر في نفس اليوم ثم يُفطر في طريقه.

    والقول الثاني: وهو مذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة-رحمهم الله- قالوا: من شرع في الصيام ثم سافر فلا يجوز له الفطر، قالوا: لأن في إفطاره إبطالٌ لهذه العبادة، وإبطال العبادة بعد الشروع بها لا ينبغي.

    لكن الراجح في هذه المسألة هو القول الأول، لفعل الصحابة-رضي الله تعالى عنهم-، وأيضًا فإن الله جل وعلا رخّص للمسافر أن يفطر دون تفصيل، كما قال-سبحانه-: {فَمَنْ كَانَ منْكُمْ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ}[البقرة:184]، ولم يرد تفصيل هل إذا صام في أول النهار ثم سافر هل يشرع له الفطر أو أن هذه المشروعية خاصة بمن لم يصم في أول النهار، فعدم التفصيل يدل على أن  هذا الأمر جائز.

    (المتن)

    ثم قال-رحمه الله-: "وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفا على أنفسهما قضتاه فقط".

    (الشرح)

    وقول المصنف-رحمه الله- أنه يجوز للحامل والمرضع أنت تفطر، ولم يفصل المصنف-رحمه الله-: يعني هذا أن الحامل والمرضع تفطر سواءً كان في ذلك مشقة عليها أو لا أو مشقة على طفلها أو لا، الأمر متاحٌ لها ما دامت بهذا الوضع.

    وفطر الحامل والمرضع جائزٌ بإجماع العلماء، ودليله: حديث أنس بن مالك tقال: قال رسول الله r: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع الصوم»([27]).

    وإفطار هذه له ثلاث حالات:-

    الحالة الأولى: أن يكون الفطر مراعاةً لحالهما.

    الحالة الثانية: أن يكون الفطر مراعاةً لحال الولد، الحمل في البطن أو الذي يرضع حتى لا يحصل عليه قصور في الرضاعة.

    الحالة الثالثة: أن يكون الفطر مراعاة لحالهما وحال الولد.

    أما بالنسبة للحالة الأولى والحالة الثالثة -أعني إذا كان الفطر مراعاةً لحالهما و الحالة الثالثة إذا كان الفطر مراعاة لحالهما وحال الولد-: فهذا بلا إشكال لهم الفطر بإجماع العلماء، وعليهما القضاء ولا إطعام عليهما.

    بقي الحالة الثانية (وهي ما إذا كان الفطر مراعاةً لحال الولد)، قال المصنف-رحمه الله- وبيّن لهذا النوع: "وعلى ولديهما قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينا".

    إذًا المصنف يقرر هنا: أن الحامل والمرضع إذا أفطرت من أجل مصلحة الولد فقط فإنه يجب عليها مع القضاء أن تطعم عن كل يومٍ مسكينا، وهذه المسألة محل خلاف بين العلماء:-

    التفاصيل
    0
    422
  • الحدث الدائم أنواعه وضوابطه وأثره على الطهارة
  • الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد / فمن محاسن شريعتنا الغراء أن جاءت برفع الحرج ، ونفي المشقة ، وإزالة الضرر عن المكلفين ، بما يكفل للمسلم عبادة ربه بيسر وسهوله ، والعيش في هذه الدنيا في حياة سمحة كريمة ، ومما جاءت به الشريعة من السماحة في جانب العبادة مراعاة أحوال المبتلَين بالحدث الدائم عند طهارتهم ؛ من خلال ما شرعته من أحكام تمكنهم من القيام بها بيسر وسهولة.

    لمتابعة القراءة يرجى تحميل أحد المرفقات

    التفاصيل
    0
    659
  • حكم التخدير لاتقاء ألم العقوبة
  • إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضِلَّ له ، ومن يُضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

    لمتابعة القراءة يرجى تحميل أحد المرفقات

    التفاصيل
    0
    653
  • حكم الانتفاع بجلود السباع في وسائل الحياة المعاصرة
  • الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد /

    لمتابعة القراءة يرجى تحميل أحد المرفقات

    التفاصيل
    0
    788
صلاة
  • حكم صلاة الجمعة في السفر.
  • إذا كنت مسافرا يوم الخميس مثلا وجاء يوم الجمعة وأنا لا زلت مسافرا فهل أصلي الجمعة ( ركعتين ) أم أصليها ظهرا . جزاك الله خير الجزاء .

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    إذا كنت نازلا في بلد فصل الجمعة مع الناس وإذا كنت في طريق فصلها قصرا ركعتين ولك أن تجمعها مع العصر.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    484
  • حكم سجود التلاوة
  • إذا قرأنا القرآن في أماكن عامة من جهاز الهاتف وجاءت آية السجدة هل يجب السجود أم لا علما بأن المكان غير مناسب للسجود ويتواجد فيه ناس هل علينا إثم إذا ما سجدنا؟

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    سجود التلاوة مستحب وليس بواجب فمن سجد فله أجر ومن تركه فلا شيء عليه.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    470
  • الإجتهاد في القبلة
  • إذا اختلف رجلان في إجتهادهما في القبلة فالأول يقول أن القبلة من هذه الجهة والآخر يقول انه من الجهة الأخرى فعلى رأي الشيخ حفظه الله ، هل تجوز صلاتهما كل من جهته وهم يصلون خلف إمام واحد أم ما توجيه فضيلتكم في هذا؟ جزاكم الله خيرًا وأجزل لكم المثوبة .

    الجواب:

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله ، وبعد:

    هذه المسألة مما اختلف فيها الفقهاء فظاهر مذهب الحنابلة وكذلك الشافعية أنه لا يصح أن يقتدي أحدهما بالآخر؛ لأن كل واحد منهما يرى صلاة الآخر باطلة, غير أن الراجح -والله أعلم- صحة الاقتداء قياسا على مسألة من اختلفوا في ناقض من نواقض الوضوء, كأكل لحم الجزور, فلو صلى شافعي وحنبلي الشافعي أكل لحم جزور ولم يتوضأ وصلى خلفه الحنبلي فالحنبلي يرى أن صلاته صحيحة ولا اختلاف بينهم في صحة مثل هذه الصلاة فالإمام أحمد -رحمه الله- نص على صحة أن يقتدي الحنبلي بالشافعي وإن كان الآخر يرى أن أكل لحم الجزور غير ناقض بينما الحنبلي يراه ناقضا نص الإمام أحمد على هذه المسألة وقال كيف أدع الصلاة خلف الشافعي وسفيان ونحوهم ممن يرون عدم النقض.

    فهذه المسألة شبيهة بتلك المسألة تماما ثم إن القول بعدم اقتداء أحدهما بالآخر يترتب عليه تعطيل صلاة الجماعة فيما لو جلسوا في مكان وأطالوا فيه ولم يهتدوا إلى القبلة يترتب على ذلك ترك صلاة الجماعة وصلاة الجماعة واجبة ولا يسوغ أن تترك من أجل اجتهاد ومحل نظر, والله أعلم.

    وفق الله الجميع ويسر لهم أمورهم, وصلى الله على نبينا محمد, وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    472
  • جمعت المغرب والعشاء وأنا قد نويت بالسفر ما الحكم؟
  • السؤال: فضيلة الشيخ جمعت المغرب والعشاء وأنا قد نويت بالسفر ما الحكم أحسن الله إليكم؟

    الجواب:

     الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله ، وبعد:

     إن كنت خرجت من البلد فالجمع صحيح وإلا فلا تكفي النية فربما يحصل ظرف ولا تسافر.

    التفاصيل
    0
    471
  • قصر الصلاة وجمعها
  • السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنا مسافر وساكن عند أخي وبيتي في الأحساء هل يجوز قصر الصلاة وجمعها أم لا أجازتي تنتهي على اتصال أو إلى آخر الأسبوع؟

    الجواب:

     وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

    الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله ، وبعد:

    مادمت في سفر فيشرع لك القصر والجمع ولا يمنع من ذلك نزولك عند أخيك لكن تنبه إلى أنها تجب عليك صلاة الجماعة فإذا سمعت النداء للصلاة فأجب.  وفقك الله

    التفاصيل
    0
    482
  • من نسي صلاة أو أخرها عن وقتها.
  • السؤال: أنا أحاول أن أحافظ على صلاتي جيدًا لكن لم أستطع ، أنسى الصلاة أغلب الأوقات ، لكن الأمر ليس بيدي ، هل إن قضيتها واستغفرت ربي يكفي؟ ، وفي مدرستي أمضي دوامي لبعد صلاة العصر فأعلم أن صلاة الظهر سوف تفوتني ، لكني حين أرجع إلى منزلي أجمع الظهر الذي فاتتني مع العصر بدل قضائه !! ، هل ما أفعله يرضي الله؟.

    الجواب:

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله ومن والاه، وبعد /  قبل الإجابة على السؤال أود أن أذكر بأن الصلاة ركن من أركان الإسلام وشعيرة من شعائره العظام ، ولعظيم منزلتها لم تفرض على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في الأرض كسائر العبادات بل عرج به إلى السماء السابعة وهناك فرضت عليه ، ولها من الآثار العظيمة على المسلم في الدنيا والآخرة ما لا يتسع المجال لذكره ؛ عن عبادة – رضي الله تعالى عنه – أن رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال : (خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَاتَهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ فَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ – وفي رواية أن يدخله الجنة - وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) أخرجه أحمد – رحمه الله تعالى – وغيره وهو صحيح ، وإذا ما تذكر المسلم ذلك حمله – بإذن الله تعالى – على الاهتمام بها والمحافظة عليها في أوقاتها واستجماع شروطها وأركانها وواجباتها وسننها .

    وفي ما يتعلق بسؤال الأخت هل يكفيها قضاء الصلاة التي نسيتها مع الاستغفار؟ ، والجواب : نعم يكفي ذلك فقد قال -صلى الله عليه وسلم -: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ) متفق عليه ، أما سؤالها عن حكم تأخير صلاة الظهر بسبب الانشغال في المدرسة ومن ثم جمعها مع العصر .. ، فالجواب : أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بأي حال من الأحوال ، ومن فعل ذلك فقد ارتكب إثمًا عظيمًا إلا لمن نوى جمع الظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء في حال يجوز فيها الجمع ، وليس من الأحوال التي يجوز فيها الجمع الانشغال في المدرسة إذ يمكنها أداء الصلاة داخل المدرسة ؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم- : (وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ ) رواه البخاري- رحمه الله تعالى - ، لكن ينبغي أن تتفطن هذه الأخت وغيرها أن وقت صلاة الظهر طويل إذ يمتد من زوال الشمس إلى دخول وقت العصر ، ولها أن تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت ما لم يدخل وقت العصر ولا حرج في ذلك غير أن أول الوقت أفضل فقط . وفق الله الجميع للصواب . وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم .

    التفاصيل
    0
    488
الجنائز
  • حكم كشف وتقبيل وجه الميت بعد تغسيله
  • توفي والدي. قبل أيام. وقمنا بكشف الوجه بعد تغسيله. وقمنا بتقبيله أنا وإخوتي, هل هذا الفعل جائز, بعد تغسيل الميت. أم لا؟ أرجو من فضيلتكم الجواب.

    الجواب:

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

    الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله ، وبعد:

    نعم جائز فقد قبل أبو بكر -رضي الله عنه- النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته.

    التفاصيل
    0
    515
  • هل يجوز للحائض أن تكون مع المحتضر وتلقنه الشهادتين
  • السؤال : هل يجوز للحائض أن تكون مع المحتضر وتلقنه الشهادتين أو تحاول تثبيته خصوصا حين ينعدم من الأسرة من يقوم بهذا الدور أو بسبب جهل باقي الأفراد بهذه الأحكام.

    الجواب :

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين . أما بعد :

    ليس للحائض أحكاما مخصوصة أثناء الحيض إلا الامتناع عن الصلاة والصيام والطواف بالبيت ودخول المسجد، وأن لا يطأها زوجها  في الفرج ، وفي غير هذه الأحكام هي كغيرها من النساء.

    فيجوز لها أن تلقن المحتضر الشهادة، وليس الشهادتين وإنما شهادة لا إله إلا الله فقط ؛  فهذا الذي ورد في السنة

    قال صلى الله عليه وسلم: ( لقنوا موتا كم لا إله إلا الله)

    وقال (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه)

    وقال ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ).

    والله تعالى أعلم.

    التفاصيل
    0
    527
  • مات وعليه دين لكافر فهل يلحقه الوعيد؟!
  • إذا مات مسلم وعليه دين لكافر فهل سيمنع هذا الدين المسلم من دخول الجنة؟ وهل يجب قضاء هذا الدين؟ كأن يكون الدين قرضًا من بنك (سواء بفوائد ربوية أو بغير ربا) ، وكيف يُقضى حق الكافر من المسلم يوم القيامة؟

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
    فقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الوفاء بالعقود، وذم الغدر والنكث؛ كقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" [المائدة:1] ، وهذا عام يشمل جميع العقود، وجميع المتعاقَد معهم مسلمين أو غير مسلمين ما لم يكن العقد مخالفاً لأحكام الشريعة الإسلامية؛ وفي صحيح البخاري (34) ، وصحيح مسلم (58) عن عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".
    وهذا فيه الترهيب من الغدر وإخلاف الوعد، وهو عام أيضاً يشمل جميع المعاهدات والوعود، وأيًّا كان المعاهَد مسلماً كان أو كافراً.
    ومن العقود التي يجب الوفاء بها عقود المداينات (القروض) ، بل ورد الوعيد الشديد على عدم الوفاء بها؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين" أخرجه مسلم (1886) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" رواه أحمد (9302) وابن ماجة (2413) والترمذي (1078، 1079) ، وقال حديث حسن. وصححه الألباني- رحمهم الله تعالى.
    وهذا أيضاً عام يشمل جميع الديون حتى وإن كانت لغير المسلمين، قال ابن عبد البر في الاستذكار (5/100) : (وفي هذا الحديث من الفقه أن قضاء الدين عن الميت بعده في الدنيا ينفعه في آخرته؛ ولذلك أمر وليه بالقضاء عنه، ولا ميراث إلا بعد قضاء الدين) . قال الشوكاني-رحمه الله تعالى-: (فيه الحث للورثة على قضاء دين الميت، والإخبار لهم بأن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه، وهذا مقيد بمن له مال يقضي منه دَيْنه، وأما من لا مال له ومات عازما على القضاء فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه، بل ثبت أن مجرد محبة المديون عند موته للقضاء موجبة لتولي الله سبحانه لقضاء دينه..) نيل الأوطار (4/53) .
    والخلاصة: أن الدَّين أمره عظيم، سواء كان لمسلم أو غير مسلم، وأنه يجب على المدين المبادرة في وفائه متى حل وهو قادر على الوفاء، وأنه لا يجوز للورثة أن يقتسموا التركة حتى تُقضى الديون وتنفذ الوصية، كما قال تعالى في آية المواريث: "من بعد وصية توصون بها أو دين" [النساء:12] ، وإذا لم يترك الميت المدين وفاءً شرع لغيره قضاؤه وانتفع الميت بذلك.
    أما إذا كان الدَّين قد جعلت عليه فائدة ربوية فلا يستحق الدائن إلا قدر رأس ماله فقط، لكن على المدين أن يتخلص من هذه الفائدة؛ لأنه هو الآخر لا تحل له فيخرج من ماله بقدرها، وينفقه فيما يشاء من أوجه الخير، لكن ليس بنية الصدقة ولكن بنية التخلص من مال حرام.
    أما قول السائل: وكيف يُقضى حق الكافر من المسلم يوم القيامة؟.
    فالجواب: أن الذي نعتقده أن الحقوق والمظالم محفوظة لأصحابها، وأن الحقوق في الآخرة إما حسنات أو سيئات؛ فقد ثبت عند مسلم (2582) وغيره عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء"؛ كما ثبت عند البخاري (2449) وغيره عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه".
    أما كيفية القضاء بين المسلم والكافر؛ وهل يؤخذ من سيئات الكافر وتوضع على المسلم، أو يؤخذ من حسنات المسلم فتعطى الكافر فيخف عذابه، فالله أعلم، وعلى أية حال فلسنا متعبدين بمعرفة كيفية ذلك، ولن نسأل عنه، غير أن المتعين علينا كمسلمين أن نحذر الظلم والتهاون في حقوق الآخرين؛ مهما كانت هذه الحقوق، وأياً كان أصحابها. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
     
    التفاصيل
    0
    696
نكاح
  • هل يجوز منع الزوجة عن أهلها؟
  • السؤال : زوجي مزاجي جدًا ويحب يبعدني عن أهلي لأنه يقول إنه أهم حاجة في حياتي وماذا أريد من أهلي.. هل هذا يعقل ؟ !! وعلى الدوم يختلق المشاكل.

    الجواب :

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه ومن والاه, أما بعد :

    لا يجوز للزوج منع زوجته من صلة رحمها بل الواجب عليه أن يأذن لها ويعينها على ذلك إلا أن يكون في ذهابها إليهم ضرر ومفسدة  ؛ قال تعالى :  " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ"، وقال تعالى:  " وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ "،   وإعانتها على البر من الإحسان إليها وعشرتها بالمعروف، وربما حملها منعه إياها على مخالفة أمره، قال ابن الهمام: ينبغي أن يأذن لها في زيارتهما في الحين بعد الحين على قدر متعارف..وهو أدعى للألفة والمودة، والأمور الزوجية لابد فيها من التغاضي والتجاوز عما قد يحصل من خلاف فالمرأة خلقت من ضلع، كما في الحديث: (استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع وأن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء). متفق عليه، وفي رواية لمسلم: (وكسرها طلاقها).

    وأما عن اختلاق المشاكل معك  فننصحك بأمور

    1/ حاولي أن تعرفي ما يكرهه زوجك وما يحبه حتى تبتعدي عما يكرهه.

    2/ حاولي أن تصارحيه في جلسة هادئة عما لا تحبينه من أخلاقه واطلبي منه أن يصارحك بما لا يحبه من أخلاقك حتى تتجنبا كل منكما عما يضايق الآخر.

    3/ اهد لزوجك كتابا يتكلم عن حقوق الزوجين.

    4/ عليك بالدعاء فإنه مفتاح الفرج.

    5/ بطاعة الله تدخلين السعادة في حياتك بالصلوات والنوافل والصدقات قراءة القرآن وطاعة الرحمن.

    6/ بقدر ما تكونين قريبة من المعاصي تكونين قريبة من الشقاء قال تعالى "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا"

    ونختم لك كلامنا بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- (إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت)

    والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    498
  • حكم الزواج من ابن رجل منع بناته من الميراث
  • الشيخ/ حفظه اللّه السؤال :تقدم لخطبتي شاب قام والده بكتابة أرضه إلى الأولاد فقط ولم يكتب شيئا للبنات وهو على قيد الحياة بحجة أنه لا يريد أن يعطي أمواله للغريب وهو يقصد أزواج بناته وقد قام بتجهيز البنات للجواز فهل أوافق على خطبتي للشاب أم أن ماله حرام بعد وفاة والده ولو لم يوافق الخطيب على رد الحقوق لإخوته فهل اعتبر آثمة لو ارتبطت به

    الجواب :

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , وعلى آله ومن والاه , وبعد /

    فقبل الإجابة على سؤال الأخت أود أن أنبه إلى أن ما يفعله بعض الآباء في بعض البلدان الإسلامية من حرمان بناتهم من الميراث عن طريق الوصية أو غيرها..  بأن هذا الفعل حرام ومنكر عظيم باتفاق العلماء ؛ فإن من أوصى لبعض ورثته دون بعض فقد عصى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وتعدى حدود الله وظلم نفسه وظلم ورثته حيث اقتطع من حق بعضهم لبعض ، وقد ورد في ذلك وعيد شديد فعن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال : ( إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار ) ثم قرأ أبو هريرة " من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار "  إلى قوله " وذلك الفوز العظيم " رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة -رحمهم الله -، فمثل هذا الأب الذي كتب أرضه لأولاده البنين دون البنات قد وقع في منكرين عظيمين ؛ الأول : حرمان البنات من حق فرضه الله لهن في محكم كتابه الكريم ؛ قال تعالى: " يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .. الآية " ، والمنكر الثاني : الوصية للأولاد وهم من الورثة ؛ فعن أبي أُمَامَةَ -رضي الله عنه-  قَالَ سَمِعْت رَسُولَ - اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ( إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لَوَارِثٍ ) .رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .وَابْنُ مَاجَة ، وَالتِّرْمِذِيُّ .

    ومثل هذه الوصية لا تنفذ إلا بإجازة جميع الورثة بما في ذلك البنات وهذا بإجماع العلماء ؛ ألا فليتق الله هؤلاء الآباء وليحذروا الجور في الوصية وليرضوا بحكم الله تعالى وليتذكروا قول الله تعالى : " يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إلا من أتى الله بقلب سليم " ، علمًا أن بإمكان البنات في حال وفاة والدهن وهو مصر على هذه الوصية الآثمة أن يتقدمن بشكوى إلى المحكمة الشرعية والتي ستقوم بإذن الله بالحكم ببطلانها ورد حقهن .

    أما فيما يتعلق بسؤال الأخت : هل تتزوج من ابن هذا الرجل الذي أوصى لأولاده البنين دون البنات ..؟ فالجواب : إن كان الابن ذا دين وخلق فينبغي أن لا تتردد في الموافقة على الزواج منه فقد قال -صلى الله عليه وسلم- : ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عظيم ، قالوا يا رسول الله : وإن كان فيه , قال : إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات ) أخرجه الترمذي –رحمه الله – وغيره ، ومن كان ذا دين فسوف يمنعه خوفه من الله من أكل مال غيره ، هذا وينبغي أن تناصحيه وتحذريه من تنفيذ هذه الوصية الجائرة ، وما صنعه والده من الجور في هذه الوصية فإثمه على والده ، ولو قٌدّر وأكل الابن من هذه الوصية الآثمة فإن الإثم يلحقه وحده وليس عليك شيء .

     وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه , وصلى الله على نبينا محمد , وآله وسلم .

    التفاصيل
    0
    532
  • مهر الزوجة
  • السؤال :

    ما هي الطريقة الشرعية لإنفاق مهر العروس مع العلم أننا هنا في بلادنا يحدد بقيمة معينة كما جرت العادة وعلى العروس أن تنفقه على نفسها لكن لا اعرف ما الطريقة المثالية في التصرف في هذا الحق .

    الجواب :

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :

    مهر المرأة ملك لها تفعل فيه ما تشاء . وليس لأحد أن يجبرها على فعل شيء معين

    فالمهر من حق المرأة، فإذا طالبت به وجب على الزوج أن يدفع لها مهر مثلها من النساء؛ لأن المهر في مقابل استمتاع الزوج بالبضع، فإذا أسقطت المرأة مهرها أو تنازلت عن بعضه عن طيب نفس منها جاز ذلك، ولا يؤثر ذلك على صحة العقد؛ لقول الله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا)  ونوصي الأخت بأن تحرص على حفظ مهرها وعدم إنفاقه إلى فيما فيه مصلحة والحذر من إضاعته في الأمور المحرمة ،  والإسراف في إنفاقه حتى في الأمور المباحة  قال تعالى ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- ( إن الله كره لكم ثلاثا قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال )وبالله التوفيق. والله أعلم

    التفاصيل
    0
    783
  • حكم الزواج من كافرة بعد ما أسلمت ومعها ولد غير شرعي
  • السؤال :

    أنا شاب مغربي , تعرفت على شابة أمريكة من أصل يهودي كانت لها علاقة غير شرعية مع شاب وأنجبت منه ولدا تعرفت عليها عبر الانترنت , وهي الآن تعلن إسلامها وندمها على أخطائها , تريد الزواج من مسلم . سؤالي هو : هل يجوز لي الزواج بها ؟ أريد جوابا مفصلا وجزاكم الله خيرا .

    الجواب :

    الحمد لله . أما بعد :

    فإذا أسلمت فلا حرج في نكاحها ، والإسلام يجب ما قبله . ولا يؤاخذ المرء بما فعله قبل إسلامه .

    لكننا ننبهك على أمور :

    أولا : أن تعرف الشاب على فتاة عن طريق الإنترنت لا يجوز لما في ذلك من الفتنة.

    ثانيا : لا يعرف في الإنترنت صدق الطرف الآخر غالبا ولا يمكن التأكد من أحواله.

    ثالثا : الإسلام حث على الزواج بذات الدين . فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (فاظفر بذات الدين تربت يداك) ومن تربت في مجتمع غربي متفلت يصعب غالبا إلزامها بأحكام الإسلام من حجاب ولزوم البيت وحشمة وعفة وعدم الكلام مع الأجانب ... الخ 

    فكثير ممن تزوج منهن تعذر أو تعسر إلزامهن بأحكامها الإسلام . وهذا نقوله بغض النظر عمن تتكلم عنها ، فهذه ربما كانت صادقة وملتزمة بدينها .

    رابعا : لا شك أن هناك اختلاف في العادات والطبائع بين الأمريكان والمغاربة . وهذه الخلافات دائما ما تؤدي إلى الانفصال والطلاق.

    خامسا : الزواج مشروع العمر والحياة . فمن ستختارها ستعيش معها بإذن الله إلى آخر عمرك ، فلا تجعلن عاطفتك تتحكم في اختيارك لزوجتك . وننصحك بمشاورة أهل الحكمة والعقل والنظر من أهلك وأقربائك . ولابد من معرفة رأي أهلك . فأنت مهما كنت تبقى فردا من عائلتك ، ولا تستطيع مقاطعتهم بسبب الزوجة .فعليك رعاك الله بالاستشارة والاستخارة فما ندم من استشار وما خاب من استخار ، واظفر بذات الدين تربت يداك . والله تعالى أعلم ، وهو المسؤل أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم .

    التفاصيل
    0
    636
  • حكم هجر المسلم للمسلم، والزوجة لزوجها ثلاثة أيام.
  • هل يجوز للمسلم أن يهجر أخاه المسلم -لسبب- مدة ثلاثة أيام؟ وهل يجوز للزوجة أن تهجر زوجها مدة ثلاثة أيام؛ بسبب سوء تصرفه معها؟

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
    فالهجر نوع من العقوبات المشروعة لأجل الزجر والتأديب، وقد أرشد القرآن الكريم الأزواج إليه لمعالجة نشوز الزوجات، كما في قوله تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع...." الآية [النساء:34] . ومارسه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الثلاثة الذين خلفوا كما ثبت في الصحيح، انظر صحيح البخاري (4418) ، وصحيح مسلم (2769) . غير أنه حرَّمه إذا كان لحظ النفس أكثر من ثلاثة أيام كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام". صحيح البخاري (6065) ، وصحيح مسلم (2559) ، مما يدل على جوازه فيما دون ذلك. والهجر درجات، فقد يكون بالكلام بأن لا يحادث المهجور، وقد يكون بالمكان بأن لا يجالسه، وقد يكون بغير ذلك.
    لكن يجب على المسلم أو المسلمة مراعاة المصلحة الشرعية في تطبيق هذه العقوبة (أعني عقوبة الهجر) ؛ إذ المقصود بها زجر المهجور، وتأديبه، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفته كان مشروعاً، وإن كان لا يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التألف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التألف، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتألف قوماً ويهجر آخرين بحسب ما يراه من المصلحة.
    وفي رأيي أن هجر المرأة لزوجها لا يجوز؛ لما قد يترتب عليه من محاذير شرعية، كعدم الاستجابة لمطالبه التي يحرم على المرأة عصيانه فيها، وتسببه في تفاقم المشاكل بين الزوجين؛ لأن الهجر لايؤتي ثماره غالباً إلا إذا صدر من شخص له سلطة وولاية على المهجور، مثل الحاكم مع أحد أفراد رعيته، أو الوالد مع ولده، أو الزوج مع زوجته، ومعلوم أن موقف الزوجة بالنسبة إلى زوجها ضعيف، ولذا فأنجع علاج -في رأيي- لسوء تصرف الزوج أن تتمثل الزوجة قوله تعالى: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" [فصلت34] ، وأن تتحلى بالصبر وتحتسب في ذلك، وأن تكثر من الدعاء لها ولزوجها بأن يصلح الله أحوالهما. أسأل الله أن يصلح أحوال الجميع. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
     
    التفاصيل
    0
    710
تفسير
  • تفسير " ولا تقتلوا أنفسكم "
  • السؤال : من المعلوم أن معنى قول الله عز وجل:" ولا تقتلوا أنفسكم " أي: لا يقتل بعضكم بعضا, فهل يصح الاستدلال بهذه الآية على الانتحار؟ وجزيتم عنا خيرا.

    الجواب :

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد, وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين . أما بعد :

    فإنه يصح الاستدلال بعموم هذه الآية على تحريم الانتحار؛ يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى- في تفسيره  :

    " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا " .

    ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل أكلها بالغصوب والسرقات، وأخذها بالقمار والمكاسب الرديئة. بل لعله يدخل في ذلك أكل مال نفسك على وجه البطر والإسراف، لأن هذا من الباطل وليس من الحق.

    ثم إنه -لما حرم أكلها بالباطل- أباح لهم أكلها بالتجارات والمكاسب الخالية من الموانع، المشتملة على الشروط من التراضي وغيره.

    " وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ " أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يقتل الإنسان نفسه. ويدخل في ذلك الإلقاءُ بالنفس إلى التهلكة، وفعلُ الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك " إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا " ومن رحمته أن صان نفوسكم وأموالكم، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها، ورتب على ذلك ما رتبه من الحدود.

    وتأمل هذا الإيجاز والجمع في قوله: " لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ " " وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ " كيف شمل أموال غيرك ومال نفسك وقتل نفسك وقتل غيرك بعبارة أخصر من قوله: لا يأكل بعضكم مال بعض ولا يقتل بعضكم بعضًا مع قصور هذه العبارة على مال الغير ونفس الغير فقط.

    مع أن إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين فيه دلالة على أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ومصالحهم كالجسد الواحد، حيث كان الإيمان يجمعهم على مصالحهم الدينية والدنيوية...) اهـ

    والله تعالى أعلم.

    التفاصيل
    0
    961
عقيدة
حديث
  • حديث مكذوب
  • السؤال : هذا حديث منتشر بين النساء فهل هو صحيح، وهل فتوى الشيخ ابن باز صحيح لأنني أخاف أن يكون كذبا. حديث عن علي -رضي الله عنه- قال: (دخلت أنا وفاطمة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجدته يبكي بكاء شديدًا، فقلت: فداك أبي وأمي يا رسول الله، ما الذي أبكاك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((يا علي ليلة أسري بي إلى السماء، رأيت نساء من أمتي في عذاب شديد فأنكرت شأنهن، لما رأيت شدة عذابهن، رأيت امرأة معلقة بشعرها يغلي دماغ رأسها، ورأيت امرأة معلقة بلسانها والحميم يصب في حلقها، ورأيت امرأة معلقة بثديها، ورأيت امرأة تأكل لحم جسدها، والنار توقد من تحتها، ورأيت امرأة قد شدت رجلاها إلى يديها، وقد سلط عليها الحيات والعقارب. ورأيت امرأة صماء عمياء خرساء في تابوت من نار يخرج دماغ رأسها من منخرها وبدنها، فتقطع من الجذام والبرص، ورأيت امرأة تقطع لحم جسدها من مقدمتها ومؤخرتها بمقارض من نار، ورأيت امرأة تحرق وجهها ويديها وهي تأكل أمعاءها، ورأيت امرأةً رأسها رأس خنزير وبدنها بدن الحمار، وعليها ألف ألف لون من العذاب، ورأيت امرأة على صورة الكلب والنار تدخل في دبرها وتخرج من فيها، والملائكة يضربون رأسها وبدنها بمقامع من نار. فقالت فاطمة -رضي الله عنها-: حبيبي وقرة عيني، أخبرني ما كان عملهن وسيرتهن حتى وضع الله عليهن هذا العذاب؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: يا ابنتي: أما المعلقة بشعرها فإنها كانت لا تغطي شعرها من الرجال، وأما المعلقة بلسانها فإنها كانت تؤذي زوجها، وأما المعلقة بثدييها فإنها كانت تمتنع من فراش زوجها، وأما المعلقة برجليها فإنها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها، وأما التي كانت تأكل جسدها فإنها كانت تزين بدنها للناس، وأما التي شدت يداها إلى رجليها وسلط عليها الحيات والعقارب فإنها كانت قذرة الوضوء، قذرة الثياب، وكانت لا تغتسل من الجنابة والحيض، ولا تتنظف، وكانت تستهين بالصلاة. وأما العمياء الصماء الخرساء، فإنها كانت تلد من الزنا، فتعلقه في عنق زوجها، وأما التي كانت يقرض لحمها بالمقارض، فإنها كانت تعرض نفسها على الرجال، وأما التي كانت تحرق وجهها وبدنها، وهي تأكل أمعاءها فإنها كانت قوادة، وأما التي كان رأسها رأس خنزير، وبدنها بدن الحمار، فإنها كانت نمامة كذابة، وأما التي كانت على صورة الكلب والنار تدخل في دبرها، وتخرج من فيها. فإنها كانت قينة - مغنية - نوّاحة حاسرة. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل لامرأة أغضبت زوجها، وطوبى لامرأة رضي عنها زوجها)). وهذا رد الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله على هذا الحديث : هذا خبر مكذوب، ومتنه منكر، وبعد البحث التام لم نجد إلا أن بعض الناس عزاه إلى كتاب: بحار الأنوار.. وبمراجعة إيضاح المكنون، ذيل كتاب كشف الظنون وجدنا في حرف الباء، أن الكتاب المذكور من مؤلفات بعض الشيعة، وهو محمد بن باقر بن محمد تقي الشهير بالمجلسي الشيعي المتوفى عام 1111ه. كذا في الكتاب المذكور، وقد ذكر في البطاقة الموجهة إليّ المتضمنة السؤال عن هذا الحديث، أن صاحب البحار ذكره في الجزء 18 ص351، وقد حدثني من لا أتهم عن بعض من له عناية بكتب الشيعة، أن هذا الكتاب أعني: بحار الأنوار، مملوء من الأحاديث المكذوبة الموضوعة، والله ولي التوفيق.ا.ه وهذا الكلام أورده الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في رسالته "التحفة الكريمة في بيان بعض الأحاديث الموضوعة والسقيمة "

    الجواب :

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين . أما بعد :

    فهذا الحديث موضوع مكذوب على النبي -صلى الله عليه وسلم-

    وفتوى الشيخ ابن باز رحمه الله صحيح النسبة إليه وموثق وهذا نص فتواه :

    هذا خبر مكذوب ، ومتنه منكر ، وبعد البحث التام لم نجد إلا أن بعض الناس عزاه إلى كتاب : بحار الأنوار .. وبمراجعه إيضاح المكنون ، ذيل كتاب كشف الظنون وجدنا في حرف الباء ، أن الكتاب المذكور من مؤلفات بعض الشيعة ، وهو محمد بن باقر بن محمد التقي الشهير بالمجلسي الشيعي المتوفى عام 1111 هـ . كذا في الكتاب المذكور ، وقد ذكر في البطاقة الموجهة إلى المتضمنة السؤال عن هذا الحديث ، أن صاحب البحار ذكره في الجزء 18ص 351 ، وقد حدثني من لا أتهم عن بعض من له عناية بكتب الشيعة ، أن هذا الكتاب أعني : بحار الأنوار ، مملوء من الأحاديث المكذوبة الموضوعة .. والله ولي التوفيق أ. هـ .مجموع فتاوى ابن باز (الجزء رقم : 26، الصفحة رقم: 225)

    والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    530
  • معنى حديث عائشة رضي الله عنها مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ
  • السلام عليكم قرأت حديث عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أنه إذا خير بين أمرين اختار الأيسر ما لم يكن فيه إثم فهل هذا كلام صحيح؟ وكيف إذا خيرنا بين أمرين أحدهما يسير والآخر غير يسير أو بالمعنى الاختلاف فى الفتاوى كيف نعلم إذا اخترنا الأيسر أن ليس فيها إثم ما هو مقياس الإثم فى المقارنة بين الفتوى اليسيرة والغير يسيرة؟

    الجواب :

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , وعلى آله ومن والاه , وبعد /

    فإن الحديث الذي أشار إليه السائل مخرج في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة-رضي الله عنها – ونصه :( مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنْ الْآخَرِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ )

    قال صاحب عون المعبود –رحمه الله - (ج 10 / ص 306) في شرحه : ( فِيهِ اِسْتِحْبَاب الْأَخْذ بِالْأَيْسَرِ وَالْأَرْفَق مَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا ، قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَخْيِيره- صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَاهُنَا مِنْ اللَّه تَعَالَى فَيُخَيِّرهُ فِيمَا فِيهِ عُقُوبَتَانِ أَوْ فِيمَا بَيْنه وَبَيْن الْكُفَّار مِنْ الْقِتَال وَأَخْذ الْجِزْيَة أَوْ فِي حَقّ أُمَّته فِي الْمُجَاهَدَة فِي الْعِبَادَة أَوْ الِاقْتِصَاد وَكَانَ يَخْتَار الْأَيْسَر فِي كُلّ هَذَا ..) .

    والحديث كما هو ظاهر ليس فيه حجة لغير العالم في التخير بين فتاوى العلماء قبل الاجتهاد في البحث عن أعلمهم وأدينهم في نظره ؛ إذ ليس بمقدوره معرفة أقربها إلى الحق ، فالذي له حق اختيار أيسر الأمرين هو النبي- صلى الله عليه وسلم- ثم ورثته من بعده وهم العلماء ، أما طريق غير العلماء للوصول للفتوى فقد فصله ابن القيم أجمل تفصيل في كتابه القيم إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج 5 / ص 134- ص 135- ص 149- ص 153) ؛ وخلاصته : (الصحيح أنه يَلْزَمُ الْمُسْتَفْتِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَعْيَانِ الْمُفْتِينَ وَيَسْأَلَ الْأَعْلَمَ وَالْأَدْيَنَ ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَطَاعُ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ - تَعَالَى - الْمَأْمُورِ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ ..، فَإِنْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ مُفْتِيَانِ فَأَكْثَرُ ، فَهَلْ يَأْخُذُ بِأَغْلَظِ الْأَقْوَالِ ، أَوْ بِأَخَفِّهَا ، أَوْ يَتَخَيَّرُ ، أَوْ يَأْخُذُ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ أَوْ الْأَوْرَعِ ، أَوْ يَعْدِلُ إلَى مُفْتٍ آخَرَ ، فَيَنْظُرُ مَنْ يُوَافِقُ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ فَيَعْمَلُ بِالْفَتْوَى الَّتِي يُوَقِّعُ عَلَيْهَا ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى وَيَبْحَثَ عَنْ الرَّاجِحِ بِحَسَبِهِ ؟ فِيهِ سَبْعَةُ مَذَاهِبَ ، أَرْجَحُهَا السَّابِعُ ؛ فَيَعْمَلُ كَمَا يَعْمَلُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الطَّرِيقَيْنِ أَوْ الطَّبِيبَيْنِ أَوْ الْمُشِيرَيْنِ .. ، ولَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمُجَرَّدِ فَتْوَى الْمُفْتِي إذَا لَمْ تَطْمَئِنَّ نَفْسُهُ ، وَحَاكَ فِي صَدْرِهِ مِنْ قَبُولِهِ ، وَتَرَدَّدَ فِيهَا ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اسْتَفْتِ نَفْسَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ } فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَفْتِيَ نَفْسَهُ أَوَّلًا ، وَلَا تُخَلِّصُهُ فَتْوَى الْمُفْتِي مِنْ اللَّهِ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ مَا أَفْتَاهُ ، كَمَا لَا يَنْفَعُهُ قَضَاءُ الْقَاضِي لَهُ بِذَلِكَ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذُهُ ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ } وَالْمُفْتِي وَالْقَاضِي فِي هَذَا سَوَاءٌ ، وَلَا يَظُنُّ الْمُسْتَفْتِي أَنَّ مُجَرَّدَ فَتْوَى الْفَقِيهِ تُبِيحُ لَهُ مَا سَأَلَ عَنْهُ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِهِ فِي الْبَاطِنِ ، سَوَاءٌ تَرَدَّدَ أَوْ حَاكَ فِي صَدْرِهِ ، لِعِلْمِهِ بِالْحَالِ فِي الْبَاطِنِ ، أَوْ لِشَكِّهِ فِيهِ ، أَوْ لِجَهْلِهِ بِهِ ، أَوْ لِعِلْمِهِ جَهْلَ الْمُفْتِي أَوْ مُحَابَاتِهِ فِي فَتْوَاهُ أَوْ عَدَمَ تَقْيِيدِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْفَتْوَى بِالْحِيَلِ وَالرُّخَصِ الْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ الثِّقَةِ بِفَتْوَاهُ وَسُكُونِ النَّفْسِ إلَيْهَا ؛ فَإِنْ كَانَ عَدَمُ الثِّقَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ لِأَجْلِ الْمُفْتِي يَسْأَلُ ثَانِيًا وَثَالِثًا حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ الطُّمَأْنِينَةُ ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلَا يُكَلِّفْ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا ، وَالْوَاجِبُ تَقْوَى اللَّهِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ ).

    وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه , وصلى الله على نبينا محمد , وآله وسلم .

    التفاصيل
    0
    2688
طهارة
  • حكم وقوع النجاسة في مكان ما.
  • السلام عليكم سؤالي هو أن أخي يُعاني من وساوس من سنوات نصحته بما يكفي ولم أستطع إقناعه وأنا لا أريد أن أفتح مجال الأسئلة وخصوصاً لشخص موسوس ولكن مادفعني للسؤال هو أنني أفتيته بالجواز عن سؤال سألني إياه وهو أنه قد أصاب ملابسه ( السروال ) بول من الخارج وليس من الداخل ثم نام في فراشه بهذا السروال ويقول هل تنجّس فراشي وبطانيتي ولحافي وو .. مع العلم أنه نام في غرفةٍ وجوٍ حااااار وهو يتصبب عرقاً وكان جوابي له أنه لا يضرك وأن فراشك وبطانيتك كلها طاهرة فأنا قد أفتيته ولا أعلم هل فتواي صحيحة أو لا ؟ والله الموفق وأسأل الله له الشفاء.

    الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    ينبغي أن يرشد المبتلى بالوسوسة لمراجعة طبيب نفسي فلديهم عادة علاجات ناجعة لذلك.. وبالنسبة للبول إذا لم يجد له أثر على الفرش أو الملابس لا لون ولا رائحة فهي طاهرة لأن هذا هو الأصل ولا يترك هذا الأصل المتيقن  لمجرد الشك للقاعدة المتفق عليه اليقين لا يزول بالشك. والله اعلم.

    التفاصيل
    0
    174
  • حكم البلل الذي يفرزه الغشاء المخاطي المبطن لفتحة الذكر
  • لدي إشكالية لم أجد لها حكمًا في كتب الفقه وهي إنني كلما فتحتُ فتحة الذكر أجد دومًا بللاً، وكنتُ في البداية أظنه بقايا بول، ولكنني بعد البحث وسؤال أحد الأطباء علمتُ أن الإحليل وفتحة الذكر من الداخل مبطنة بغشاء مخاطي يفرز هذا البلل طبيعيًا لحماية هذه المنطقة، وهذا البلل موجود دومًا داخل فتحة الذكر، شأنه شأن البلل الموجود داخل الفم. وسؤالي هو: هل هذا البلل الموجود دومًا داخل فتحة الذكر نجس لوجوده في مجرى البول؟! المشكلة ليست في هذا البلل ذاته لأنه لا يخرج من فتحة الذكر، فهو مجرد رطوبة طبيعية داخل فتحة الذكر، لكن المشكلة هي أنني عندما أقوم بالاستحمام أو أقوم بغسل القضيب يدخل بعض الماء في فتحة الذكر، وبالتالي يلاقي البلل الموجود داخل فتحة الذكر، فهل هذا الماء الذي يدخل فتحة الذكر عند الاستحمام أو الاستنجاء ثم يخرج منها محكوم عليه بالنجاسة لملاقته البلل أو الرطوبة الموجودة داخل فتحة الذكر، وهي محل نجاسة؟!

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:

    ليس من الدين ولا من العقل في شيء التنقيب داخل فتحت الذكر عن بقايا البول.. بل على المسلم إذا انقطع البول أن يغسل ظاهر الذكر  فقط ويكتفي بذلك ولا يشرع له الضغط عليه لاستخراج ما بداخله أو التنقيب فيه أو القيام والقعود كما يفعل بعض الموسوسين بل يكتفي بما ذكرت ، والذكر كما قيل مثله مثل الضرع إن حلب در وإن ترك قر . فليتنبه لذلك . والله أعلم

    التفاصيل
    0
    2056
  • حكم الدم النازل بعد السقط.
  • يا شيخ أنا حامل وكنت أنزف وقلت لي صلي واليوم سقط مني الجنين أصبح إجهاض كامل ما حكم الصلاة؟ أصلي أو أعتبره نفاس مع العلم أني لي شهرين حامل فقط.

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    إن كان في السقط شكل إنسان مثل الوجه أو اليد أو الرجل فهو دم نفاس دعي الصلاة والصيام  أما إذا لم يظهر فيه خلق إنسان فالدم النازل ليس دم نفاس فإن كان في وقت الحيض المعتاد فأنت حائض دعي الصلاة والصيام وإن كان في غير وقتها فهو دم فساد صومي وصلي وإن كان الدم ينزل.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    465
  • كيف للحائض أن تدعو الله في أيام العشر؟
  • سؤالي هو كيف للحائض أن تدعو الله؟ ....أنا يا شيخنا يصيبني إحباط ويأس عندما أحيض لا استطيع الدعاء....كيف أدعو وأنا على هلحال روحي متعلقة بالصلاة وعندما أكون على هلحال أصاب بالإحباط والعصبية ...كيف لي أن أخرج من هلحالة؟ مرات يجيني تفكير بأن أتوضأ وأنا حائض وأجلس على سجادة الصلاة لكن أحسه لا يجوز الجلوس على سجادة الصلاة.

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    المرأة حال الحيض بدنها طاهر فيجوز أن تجلس على سجادة الصلاة وغيرها ، في البخاري عن عائشة أن النبي  -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ القرآن ورأسه في حجري وأنا حائض..

    وأمر ﷺالحيض أن يخرجن لصلاة العيد يشهدن الخير ودعوة المسلمين ولا يدخلن المسجد..

    وشعورك هذا من الشيطان يريد أن يحرمك الخير والتعرض لنفحات الله في هذه الأيام الفاضلة .

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    1364
  • متى يجب الغسل؟
  • أنا لدي تعب روحي وتأتيني في المنام أحلام معاشرة هل علي من غسل بعد الاستيقاظ ؟

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    إذا رأيت المني بعد الاستيقاظ فيجب عليك الغسل وإلا فلا يجب.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    540
  • هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت
  • السؤال: - يا شيخ وأنا نائمة جاني شخص زي الخيال بدون ملابس واقترب مني وفسخ ملابسي وكان يجامعني كأني أحس فيه وأشوفه زي الخيال أبغي أدافع عن نفسي ما أقدر يكون ظهري مثبت في الفراش ولساني يكون مبنج وأنا أكون خائفة يستمر معي حتى الإنزال. اش حكم ذلك؟ وهل عليه غسل ولا لا؟

    الجواب:

    الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله ، وبعد:

    - نعم يجب عليك الغسل ؛ قالت أم سلمة: يا رسول الله هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: نعم إذا رأت الماء.

    التفاصيل
    0
    561
زكاة
  • مسألة الناس لطلب الزكاة
  • السلام عليكم ... شخص مسلم لديه مسكنه الذي يملكه وهو بالكاد يكفيه هو وزوجته وأولاده، ويمتلك سيارة قديمة ولكنه يحتاج إليها احتياج الضرورة لانتقالاته هو وأسرته وخاصة إنتقال أولاده لمدارسهم البعيدة عن المنزل، ولكنه لا يجد عملاً منذ أكثر من عامين ونفدت كل أمواله للإنفاق على نفسه وعلى أفراد أسرته، فهل هو من أهل الزكاة؟ وإذا كان من أهل الزكاة فهل يجوز له أن يسأل المقربين منه أن يعطونه من أموال زكواتهم للإنفاق على نفسه وأهله؟ وجزاكم الله خيراً..

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد/ مثل هذا الذي لا يجد ما يكفيه وأولاده يجوز له الأخذ من  الزكاة بقدر حاجته كما يجوز له سؤالها ولا يمنع من ذلك كونه يملك مسكنا أو سيارة مادام المسكن والسيارة بقدر حاجته فقط. والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    348
  • حكم التبرع لدفع الدية
  • السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هل يجوز لي التبرع لعتق الرقبة (الدية) خصوصًا إذا كانت الدية مبلغ خيالي؟ الله يثيبك ويجزيك خير.

    الجواب:

     وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

    الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله ، وبعد:

    إذا كان مبلغ الصلح عن القصاص خيالي كما ذكرت فأرى أنه لا يجوز التبرع له من الزكاة المفروضة وأما الصدقة وإن كان بابه أوسع فأنا متوقف في ذلك فلعلك تسأل عن هذا غيري . وفقك الله.

    التفاصيل
    0
    677
  • حكم الزكاة في أرض سيبني عليها محلات تجارية
  • السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اشتريت أرض أريد أن أبني عليها محلات تجارية بعد فترة من الزمن هل يجب عليها زكاة؟ وكتب الله أجرك.

    الجواب:

     وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. 

    الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله ، وبعد:

    إذا كان قصدك بيع هذه المحلات بعد اكتمال بنائها فتجب فيها الزكاة وإن كان قصدك تأجيرها فلا تجب فيها الزكاة إنما تجب الزكاة في أجرتها إذا حال عليها الحول.

    التفاصيل
    0
    572
  • حكم زكاة الأرض إذا لم تكن معدة للتجارة.
  • السؤال : اشتريت منذ ثلاث سنوات أرضا وعند الشراء كانت النية أن أعمرها للاستفادة من دخلها فهل يجب عليها زكاة عندما يحول عليها الحول؟ ملاحظة على الرغم من أني أخرجت عليها زكاة لمدة سنتين ولكن سمعت مؤخرا لا تجب عليه الزكاة إلا بعد البناء للاستثمار. أفيدوني وجزاكم الله خيرا. لأنه حال عليها الحول ضروري في أسرع وقت وجزاكم الله عنا خير الجزاء.

    الجواب :

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله ومن والاه, وبعد /

    من الأموال التي تجب فيها الزكاة عند أكثر العلماء : العروض ؛كالأراضي والبضائع ونحوها بل حكى ابن المنذر-رحمه الله – الإجماع على ذلك ، وقد ذكروا لذلك شروطًا منها: أن ينوي عند تملكها أنها للتجارة فإن لم ينو عند تملكها أنها للتجارة لم تجب فيها الزكاة؛ واستدلوا بما روي عن سمرة بن جندب –رضي الله عنه – أنه قال : ( أمرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع ) رواه أبو داود-رحمه الله – وعلى هذا فلا تجب عليك الزكاة في أرضك التي ذكرتها لأنك حين شرائها قد نويت عمارتها ولم تنو بها التجارة، وإنما تجب عليك الزكاة فيما تجنيه من أجرتها بعد عمارتها إذا بلغ نصابًا وحال عليه الحول، وما دفعته من زكاة عنها في السنتين الماضيتين فيعتبر صدقة تطوع، وأجرك فيه على الله القائل " فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ" ، ونسأله سبحانه أن يثيبك على حرصك .

    والله أعلم .

    التفاصيل
    0
    680
  • كيف تخرج الزكاة وعلى من تصح ؟
  • السؤال : كيف تخرج الزكاة وعلى من تصح ؟

    الجواب :

    الحمد لله. أما بعد :

    فتجب الزكاة سنويا في النقدين: الذهب والفضة, ويلحق بهما الأوراق النقدية المتداولة بين أيدي الناس الآن، وعروض التجارة أي البضائع بمختلف أنواعها وأصنافها، والعقارات والأسهم ونحو ذلك مما هو معد للتجارة. كما تجب سنويًا في بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم . وتجب في الزروع والثمار عند حصادها فقط ، لقول الله تعالى: "وءاتوا حقه يوم حصاده" [الأنعام: 141]. ويشترط في الجميع بلوغ النصاب وتمام الملك. وسنذكر لك هنا أحكام زكاة النقدين وما يلحق بهما من الأوراق النقدية وننصحك بتعلم بقية الأحكام ، ولم نذكر لك هنا جميع الأحكام لكثرة المسائل وطول الكلام . فأما نصاب الذهب فعشرون مثقالًا، وهو ما يقدر بالوزن الحالي، بخمسة وثمانين غرامًا تقريبًا، فإذا بلغ الذهب الوزن المذكور فهو نصاب، بشرط أن يبلغ ذلك خالصًا صافيًا. وأما نصاب الفضة وهو النقد الثاني، فمائتا درهم من الفضة، أي 595 جرامًا خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا، بالوزن الحالي. فإذا بلغ الخالص منه ذلك القدر فهو نصاب، فإذا بلغ النصاب وحال عليه الحول (أي مرت سنة قمرية كاملة) وجب فيها الزكاة ومقدارها ، ربع العشر ، أي 2.5%.، وأما ما سوى الذهب والفضة من العملات المستعملة فيقدر نصابه بقيمة أحد النقدين، فمن كان عنده ريالات ونحو ذلك من العملات وأراد أن يعرف هل هو بالغ النصاب فتجب فيه الزكاة أم ليس بالغًا فلا تجب فيه فعليه أن يسأل عن قيمة الغرام من الذهب أو الغرام من الفضة ثم يقارن بما عنده فإن بلغ النصاب فيجب الزكاة وإلا فلا شيء عليه .

    وأما مصارف الزكاة (من يدفع الزكاة إليهم) فهم ثمانية أصناف ولا يجوز دفع الزكاة إلى غيرهم وقد ذكرهم الله تعالى بقوله "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ "

    وقد شرح الشيخ ابن عثمين رحمه الله تعالى  الآية أتم شرح وأوضحه ننقل لك كلامه مختصرا حتى تكون على بينة من أمرك وتعرف أين تضع زكاة مالك .

    قال رحمه الله :

    فهؤلاء أصناف أهل الزكاة الذين تُدفع إليهم ثمانية:

    الأول والثاني: للفقراء، والمساكين، وهؤلاء يعطون من الزكاة لدفع ضرورتهم وحاجتهم، والفرق بين الفقراء والمساكين: أن الفقراء أشد حاجة، لا يجد الواحد منهم ما يكفيه وعائلته لنصف سنة، والمساكين أعلى حالًا من الفقراء؛ لأنهم يجدون نصف الكفاية فأكثر دون كمال الكفاية، وهؤلاء يعطون لحاجتهم. ...

    الثالث: العاملون عليها: أي الذين لهم ولاية عليها من قبل أولي الأمر ...

    الرابع: المؤلفة قلوبهم: وهم الذين يعطون لتأليفهم على الإسلام: إما كافر يرجى إسلامه، وإما مسلم نعطيه لتقوية الإيمان في قلبه، وإما شرير نعطيه لدفع شره عن المسلمين، أو نحو ذلك ممن يكون في تأليفه مصلحة للمسلمين. ولكن هل يشترط في ذلك أن يكون سيدًا مطاعًا في قومه حتى يكون في تأليفه مصلحة عامة، و يجوز أن يعطى لتأليفه ولو لمصلحته الشخصية: كرجل دخل في الإسلام حديثًا، يحتاج إلى تأليفه وقوة إيمانه بإعطائه . هؤلاء أربعة يعطون الزكاة على سبيل التمليك، ويملكونها ملكًا تامًّا حتى لو زال الوصف منهم في أثناء الحول لم يلزمهم رد الزكاة، بل تبقى حلالًا لهم ...

    أما الخامس من أصناف أهل الزكاة: فهم الرقاب، لقوله تعالى: {وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } والرقاب فسرها العلماء بثلاثة أشياء:

    الأول: مكاتب اشترى نفسه من سيده بدراهم مؤجلة في ذمته، فيعطى ما يوفى به سيده.

    والثاني: رقيق مملوك اشتري من الزكاة ليعتق.

    الثالث: أسير مسلم أسره الكفار فيعطى الكفار من الزكاة لفكهم هذا الأسير، وأيضًا الاختطاف فلو اختطف كافر أو مسلم أحدًا من المسلمين فلا بأس أن يفدى هذا المختطف بشيء من الزكاة، لأن العلة واحدة، وهي فكاك المسلم من الأسر، وهذا إذا لم يمكننا أن نرغم المختطف على فكاكه بدون بذل المال إذا كان المختطف من المسلمين.

    السادس: الغارمين. والغرم هو الدين، وقسم العلماء ـ رحمهم الله ـ الغرم إلى قسمين: غرم لإصلاح ذات البين، وغرم لسداد الحاجة ...

    السابع: في سبيل الله. وسبيل الله هنا المراد به الجهاد في سبيل الله لا غير، ولا يصح أن يراد به جميع سبل الخير؛ لأنه لو كانه المراد به جميع سبل الخير لم يكن للحصر فائدة في قوله تعالى: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " إذ يكون الحصر عديم التأثير، فالمراد في سبيل الله هو الجهاد في سبيل الله، فيطعى المقاتل في سبيل الله، الذين يظهر من حالهم أنهم يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، يعطون من الزكاة ما يحتاجون إليه من النفقات والأسلحة وغير ذلك . قال أهل العلم: ومن سبيل الله الرجل يتفرغ لطلب العلم الشرعي، فيعطى من الزكاة ما يحتاج إليه من نفقة وكسوة وطعام وشراب ومسكن وكتب علم يحتاجها، لأن العلم الشرعي نوع من الجهاد في سبيل الله ...

    الثامن: ابن السبيل. وهو المسافر الذي انقطع به السفر ونفدت نفقته، فإنه يعطى من الزكاة ما يوصله لبلده، وإن كان في بلده غنيًّا؛ لأنه محتاج . وإذا كنا قد عرفنا أصناف أهل الزكاة الذين تدفع لهم فإن ما سوى ذلك من المصالح العامة أو الخاصة لا تدفع فيه الزكاة، وعلى هذا لا تدفع الزكاة في بناء المساجد، ولا في إصلاح الطرق، ولا في بناء المكاتب وشبه ذلك، لأن الله عز وجل لما ذكر أصناف أهل الزكاة قال: "وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " أي أن هذا التقسيم جاء فريضة من الله عز وجل "وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ". فإن قيل: أيها أولى أن تصرف فيه الزكاة من هذه الأصناف الثمانية؟

    قلنا: إن الأولى ما كانت الحاجة إليه أشد؛ لأن كل هؤلاء استحقوا الوصف، فمن كان أشد إلحاحًا وحاجة فهو أولى، والغالب أن الأشد هم الفقراء والمساكين، ولهذا بدأ الله تعالى بهم فقال: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ". انتهى مختصرا من مجموع فتاوى ابن عثيمين" (18/331-339)

    أخي الكريم فالذي ذكرناه لك هنا فقط زكاة النقدين وما يلحق بهما من الأوراق النقدية وبقي أحكام زكاة بهيمة الأنعام وزكاة الخارج من الأرض . وأيضا أحكام إخراج زكاة عروض التجارة والأسهم .  فلو بينت لنا وخصصت سؤالك أكثر لكنا استطعنا أن نفيدك أكثر . وننصحك بارك الله فيك بتعلم جميع أحكام الزكاة عند أحد العلماء .

    والله تعالى أعلم.

    التفاصيل
    0
    622
  • حكم إخراج الزكاة من مال الأولاد قبل البلوغ
  • السؤال :ما هي الفتوى عندكم فيمن ترك لأولاده مبلغاً من المال , وهم صغار , فظل المال في البنك أو المجلس الحسبي حتى سن البلوغ , فهل عليه زكاة هذه السنين ؟ . معلومات السائل : الاسم / العمر / الجنس / البلد محمد / 20 / ذكر / غير محدد

    الجواب :

    -     الحمد لله , والصلاة , والسلام على رسول الله , وعلى آله , ومن والاه   , وبعد /

    أما الإيداع في البنك فمعروف وأما المجلس الحسبي فلا أعرف عنه شيئًا ، ولكن على أي حال : الراجح من أقوال العلماء أن الزكاة تجب في مال الصغير إذا بلغ نصابًا , وحال عليه الحول ؛ لقول عمر – رضي الله عنه – ( ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة ) . أخرجه الدارقطني , والبيهقي , وقال الألباني - رحمهم الله - : إسناده صحيح .

     فإذا كان مال كل صغير من هؤلاء الأولاد قد بلغ نصابًا بمفرده فيجب إخراج زكاته عن كل سنة من تلك السنين .

    وفق الله الجميع لما يحبه , ويرضاه , وصلى الله على نبينا محمد , وآله ,  وسلم .

    التفاصيل
    0
    522
آداب
  • طاعة الزوج
  • السؤال: أختي الكبرى توفي زوجها قبل شهرين تقريبًا وتريد أن تسأل: 1- قبل ثلاثة أشهر من وفاة زوجها كانوا في إجازة وطلبت من زوجها حين عودتهم لقريتهم السكن مع أهلها لحين اكتمال منزلهم فوافق ، علمًا بأن منزلهم تحت الإنشاء ، وطيلة هذه الأشهر كانت تقوم بكل طلباته حتى الفراش ولكنها لا تنام معه في نفس البيت علمًا بأنهم يلتقون في غرفة خارجية ولكنها غير صالحة للعيش لفترة طويلة ، هل عليها شيء في ذلك؟ 2- ليلة وفاته طلبها للفراش فقالت سأذهب لأنيم الأولاد وأعود لك ، فقال لا بأس ، ولكنها نامت معهم ولم تأته ، فهل عليها شيء؟ 3- ما حكم رؤيتها له في كل ليلة في أحلامها بأنه عائش ويمارس حياته الطبيعية كما كان قبل وفاته؟

    الجواب:

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله ومن والاه، وبعد / فيما يتعلق بسكن الأخت عند أهلها فلا حرج عليها في ذلك حيث ذكرت أن زوجها قد وافق على ذلك ، أما يتعلق بنومها مع أولادها ليلة وفاة زوجها وتركها له بعد أن وعدته بالعودة إليه بعد نوم الأولاد ..؛ فإن كان لعذر من غلبة نوم أو نحوه  فلا حرج عليها إذ النائم مرفوع عنه القلم ، أما إن كانت قد تعمدت ترك الذهاب إليه دون أي عذر فقد ارتكبت إثمًا عظيمًا ، وقد فات أوان الاعتذار وما عليها إلا التوبة والاستغفار ، والإكثار من الدعاء له والتصدق عنها وعنه لعل الله أن يتجاوز عنها ، قال -صلى الله عليه وسلم- : (الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار ) صحيح أخرجه أحمد – رحمه الله- وغيره . أما ما يتعلق بالرؤيا التي ذكرتها الأخت ، فأرجو أن يكون فيها خيرًا غير أنني لست من أهل تأويل الرّؤى.

    وفق الله الجميع للصواب . وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم .

    التفاصيل
    0
    494
بيوع
  • احكام الطيور
  • السلام عليكم ياشيخ هل يجوز شراء وبيع الطيور بشكل عام ؟ وهل يجوز أخذ الطير من أمه وعمره أسبوعين أو شهر(قبل الفطام).

    وعليكم السلام ورحمة الله..

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:

    يجوز للمسلم التعامل بالطيور بيعا وشراء وغير ذلك مما فيه مصلحة له بشرط أن لا يترتب على ذلك إيذاء لها أو تعذيب أو حرمان من الأكل والشرب قال تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) . والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    356
  • هل هذه الصورة جائزة؟
  • معى مبلغ من المال وأريد أن أتاجر ولى صديق عنده محل دراجات بخارية فيتصل علي ويقول هناك زبون يريد شراء دراجة تعالى اشتريها منى وبعها له قسطا فأذهب أشتريها منه وأبيعها له قسطا فهل هذه الصورة جائزة؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    إذا كان بيعك للدراجة على الزبون بعد أن تشتريها وتقبضها من صديقك(أي تكون في حوزتك وضمانك) فهذا جائز، سواء بعتها بالنقد أو التقسيط .

    التفاصيل
    0
    509
  • حكم التفرق قبل التقابض في فك العملات الورقية
  • - السؤال: ما حكم التفرق قبل التقابض في فك العملات الورقية- من نفس الجنس- سواء كانت ورقا بورق أو ورقا بمعدن، كأن يدفع أحد المتبادلين فئة كبيرة من النقود إلى الآخر(خمسمائة ريال سعودي) ليفكها إلى فئات صغيرة من جنسها ( مائة ريال سعودي) فيتفرقا قبل أن يقبض من الآخر أي شيء أو بعض هذا المبلغ؟ أو يشتري شخص بضاعة بخمسين ريالا ويدفع لصاحب المحل مائة ريال قطعة واحدة ويؤجل صاحب المحل رد الباقي لعدم وجود صرف لديه.

    الجواب: الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله ، وبعد:      

    فقد اختلف الفقهاء المعاصرون في هذه المسألة على قولين بناء على اختلافهم في تكييف هذا العقد فذهبت طائفة منهم إلى اشتراط التقابض قبل التفرق بناء على أن هذا العقد عقد صرف ومن شروط صحة الصرف التقابض قبل التفرق ، غير أن الراجح-فيما يظهر لي- جواز التفرق قبل التقابض ؛ لأن هذا العقد في حقيقته ليس عقد صرف لا لغة ولا شرعا وإن سماه بعض العامة صرفا بل هو عقد فكة في اللغة كما في المعجم الوسيط وغيره ، وهو عقد حادث ، وفي إلحاقه في عقد الصرف(بيع النقد بالنقد) مجازف       ة ؛ للفارق البين بينهما ذلك أن عقد الفكة وإن كان فيه مبادلة نقد بنقد غير أن مبدأ التجارة والتكسب المقصود في عقود البيع غير وارد من الطرفين في هذا العقد إطلاقا ؛ فهو عقد إرفاق ومعروف وإحسان ؛ وما كان هذا شأنه من العقود يتسامح فيها الفقهاء ولا يلحقونه في عقود المعاوضات التي يُقصد فيها التجارة والتكسب ، ولا يُجرون عليه أحكامها في اشتراط التقابض ، والأولى إلحاق هذا العقد وما شاكله مما لا يقصد فيه المتاجرة والتكسب بعقد القرض في عدم اشتراط الحلول والتقابض بجامع الإحسان والإرفاق ؛ لأن المقاصد في العقود معتبرة وعليها تبنى الأحكام بغض النظر عن الألفاظ ؛ قال ابن القيم-رحمه الله- : "قد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده وفي حله وحرمته.."         

    إلخ كلامه                                                                                                            

    يضاف لما سبق أن الأصل في العقود الجواز والإباحة ، وأن في هذا القول تيسير على الناس ورفع لحرج شديد عليهم في حال إلزامهم بالتقابض ؛ وقد جاءت الشريعة برفع الحرج والتيسير عند المشقة .                                   

    والله أعلم وأحكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا                                          

    أخوكم :                                                                                                          

    أ.د. محمد بن عبد الله المحيميد ( الأستاذ في قسم الفقه في كلية الشريعة بجامعة القصيم)                           

    وللاستزادة :                                                                                                          

    ينظر أصل البحث بعنوان: أحكام فك النقود المعاصرة ومبادلتها بجنسها، ل أ.د.محمد بن عبد الله المحيميد   

    ؟؟؟؟         اضغط هنا

                                                   http://almohaimeed.net/up/book/alnqod.pdf

    التفاصيل
    0
    1777
  • حكم تربية الكلاب وبيعها
  • السؤال: ما حكم تربية الكلاب في منها كلاب صيد ايش حكم تربيتها وبيعها؟

    الجواب:

    الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله ، وبعد:

     لا يجوز بيع الكلاب فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ثمن الكلب

     فيجوز اتخاذ الكلب للصيد والماشية والحراسة لكن لا يجوز بيعه.

    التفاصيل
    0
    541
  • حكم بيع سيديهات ليس لها حقوق طبع
  • السؤال :السلام عليكم ورحمة الله: أنا بائع لأجهزة الحاسب الألي، وأقوم باستعارة السي دي للطابعات, ومن ثم نسخها من دون إخبار المشتري لها علما أن ذلك يكون قبل عرضها للبيع، ومن ثم نقوم ببيع النسخ لمن احتاج إليها مع العلم أن هذا السي دي لا يباع منه أبدا، لكن يمكن أخذ نسخة مجانية من موقع الشركة الصانعة , ولكن ذلك يحتاج إلى وقت طويل عند التحميل.

    الجواب :

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , وعلى آله ومن والاه  , وبعد /

    فإن كان الحال كما ذكرت من أن السي دي الذي تعمد إلى نسخه متاح للجميع مجانًا وحقوقه غير محفوظة ، ونسخك له قبل عرضه البيع ولا يؤثر على النسخة الأصلية أبدًا لا بقليل ولا كثير .. فلا يظهر لي ما يمنع من ذلك ، ولا يلزم إخبار المشترين ، غير أن إيضاح ذلك للمشترين من خلال لوحة عامة في المحل مثلاً فلا شك أن هذا أولى وأدعى للبركة ؛ لما روي عن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا , أو قال حتى يتفرقا , فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ) متفق عليه .

    وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه , وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم .

    التفاصيل
    0
    555
  • حكم خصم الراتب إذا كان بشروط
  • الشيخ / حفظه اللّه السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنا أعمل مديرًا لأحد المؤسسات التجارية حيث أنه بإمكاني تسريح العمالة التي لا مكان لها لدينا في العمل أو من وجد منه تقصير , وقد قمت بتسريح اثنان من العمالة باختيارهم حيث طلب مني الأول تزويد راتبه لكني رفضت لأنه لم يداوم إلا عشرة أيام وبعد استلام مستحقاته عمل أسبوع طلب مني الزيادة ورفضت وخيرنا إما الزيادة أو الفصل فقمت بفصله وبقي علينا راتب ثلاثة ايام رفضنا إعطائه لأنه هو من طلب الفصل , أما الثاني فداوم يوما واحدا وطلب النقل لمكان اخر لكني رفضت بشدة وأصر على ذلك وطلب الاستقالة وله علينا أجر يوم هل علينا شيء ؟ علما بأن الثاني لم يقم بعمله على أكمل وجه ؟ وجزاكم الله خيرا معلومات السائل التاريخ / الاسم / العمر / الجنس / البريد الإلكتروني / البلد 26/6/2006 / مجدي 27 ذكر ucf2002@hotmail.com KSA

    الجواب :

    الحمد لله , والصلاة , والسلام على رسول الله , وعلى آله , ومن والاه , وبعد / فقد جرت عادة أصحاب الأعمال تنظيم أعمالهم , وتفويض الصلاحيات لمن يشاؤون ، كما جرت العادة في توظيف العمال أن يكون وفق عقود يتفق عليها الطرفان ؛ ولذا فإن كان جميع ما قمت به من فصل , أو حسم داخل في حدود صلاحياتك ، وموافقًا للعقد المبرم بين المؤسسة وبين أولئك العاملين ؛ فلا شيء عليك ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما , أو حرم حلالا ) , رواه أبوداود - رحمه الله تعالى - وغيره , وهو صحيح ، وإن كان شيء من ذلك مخالفًا لما تم الاتفاق عليه ؛ فيجب عليك معالجة هذه المخالفة بما يرضي الطرف الأخر ويبريء الذمة حسب العقد .

    وفق الله الجميع لما يحبه , ويرضاه , وصلى الله على نبينا محمد , وآله , وسلم.

    التفاصيل
    0
    523
الطلاق واللعان
  • نية الطلاق
  • السؤال:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجوك يا شيخ أجبني وأرحني جزاك الله خيرا، قالت لي زوجتي ماذا فعلت البارحة، فقلت لها :( لبست ثوبي وذهبت للمسجد للصلاة ) وقبل أن أقول ذهبت نويت بها الطلاق وقلت ذهبت بنية قصد الطلاق لوحدها فقط وما كان بعدها ليس بنية أبدا أبدا والله فقط كلمة ذهبت ، فهل يترتب على ذلك شي أسعفني بالجواب فرج الله عنك كرب الدنيا والاخرة وجزاك الله خيرا.

    الجواب:

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه , وبعد:

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
    هذه وساوس وأحاديث نفس لا يترتب عليها شيء قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله عفى عن أمتي ما حدثت بها أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم).
    وأنصحك بمجاهدة النفس على ترك هذه الوساوس وعدم الالتفات إليها.

    التفاصيل
    0
    462
  • هل وقع الطلاق؟
  • السؤال:

    اللهم بلغنا رمضان وشهر مبارك علينا وعلى الامة الاسلامية . الشكر لله ثم لكم جميعا لما تقدمونه من خدمة للمسلمين أسال الله بأن يجعلها في ميزان حسناتكم ..

     حصل بيني وبين زوجتي نقاش بحكم عملها بحكم أنها تعمل في مجال صحي وكنت أسألها هل عملك مختلط؟ وتقول لي: لا وكنت واثقا فيها وفي كلامها لأنها حلفت بالله جميع من في قسمها طاقم نسائي .. فآمنت بالله وصدقتها وفي يوم من الأيام وجدت أوراق لها بها أسماء رجال مدراء أقسام وسألتها ولم أجد نتيجة مقنعه منها وكانت حامل واشتد النقاش وكنت قبلها وعدتها بأن تكمل دراستها حتي تحصل على شهاده أعلى من شهادتها وتصبح في قسمها ولا تنقل لقسم آخر لأن إدارتها أجبروها بإكمال الدراسة وإلا ترجع لعملها المختلط. كله رجال ..فوعدتها بإكمال الدراسة ... وحين اكتشفت الأسماء بالأوراق قلت لها خلاص وأقسمت وقلت والله ماعد فيه دراسة والوعد اللي وعدتك فيه تكلمين الدراسة انسيه لأنه أصلا حتي وإن درستي بترجعين لعمل مختلط ((ظنا مني أنه مختلط فاتضح بالأخير أنه ليس مختلط)) فقالت الا أ راح أكمل الدراسة غصبا عنك ... فقلت لها ما راح تكملين فقالت شرطت عليك بالعقد .فقلت نعم شرطتي علي دراسة ووظيفة وأنتي الآن درستي وتوظفتي وما شرطتي علي إكمال الدراسة بعد الوظيفه فأقفلت الخط .... واتصلت على أختها أكبر منها وكنت معصبا واشتد النقاش بيني وبين أختها (( وقلت لها والله معد تدرس خلاص هي موظفة وتتحمل إثم هذي الوظيفة أنا ما فصلتها ولا قلت لها اتركيي الوظيفة وانتوا شرطتوا علي دراسة ووظيفة خلاص درست وتوظفت أما الدراسة بعد الوظيفة والله معد تدرس وإن درست من وراي والله لأجرجرها للمحاكم والقاضي راح يقولها القاضي(( يا ترجعين يا طلاق )) وقالت هدي نفسك الآن أنت الآن منفعل وبعدين نتفاهم فاغلقت الخط وبعد أيام راودتني شكوك حول عبارتي حينما قلت لأختها القاضي راح يقول لها يا ترجعين يا طلاق وتعوذت من الشيطان وقلت لنفسي هذا ليس طلاق لا صريح ولا كنائي ... فهل هذا يندرج هذا نقل الكلام اللي راح يقوله القاضي بالمستقبل  في الوعد بالطلاق المستقبل أم لا//)))ان رحنا للمحكمة أي في حالة إن ذهبنا للقاضي أكيد القاضي بيقولها إما ترجعين لبيت أو تبغي الطلاق واللي أعرفه الطلاق نوعان كنائي مثل اذهبي لأهلك أو غطي وجهك أو طلاق صريح فراودتني شكوك حول العبارة السابقة مع العلم أن أنقل لها إن ذهبت للقاضي راح يخيرها القاضي بين الرجعة أو الطلاق ..فأبت نفسي إلا تستفتي علما حينما أقرأ أو أتكلم عن الطلاق بغض النظر وجود عن مشكلة أو غيرها أجد نفسي تخاف من لفظت الطلاق حتى وإن كانت قصة أقرأها أو موضوع وهكذا هذا وصلى الله على نبينا محمد

     مع العلم سألت شيخا فأجابني هذا يندرج ما سيتوقعه القاضي في المستقبل ويعتبر وعدا ولا يعد طلاقا وما زلت في حيرتا من أمرني وجزيت خيرا هذا رد لي أجد المشايخ اللفظة التي قلت لا يقع بها طلاق ؛ لأنها توقع منك لما سيقوله القاضي كما ذكرت ، لكن عليك كفارة اليمين إن مكنتها من الدراسة ؛ لكونك حلفت ألا تدرس ، وينصح في مثل المشاكل الزوجية بضبط النفس وعدم الانفعال حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه

    إجابة السؤال/

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    أجاب الله دعاءك .. ووفقنا وإياك لاغتنام الشهر ..

    الأمر كما أفتاك الشيخ وفقه الله وينبغي على من يجهل شيئًا من أحكام الشريعة أن يسأل من يثق بعلمه وديانته وإذا أفتاه فعليه أن يأخذ بفتواه ولا يردها بناء على جهله أو هواه و يبحث عن مفتي آخر.

    وفقك الله.

    التفاصيل
    0
    516
  • هل يقع الطلاق بحديث النفس؟
  • السؤال : أنا متزوج وحدث مشكلة بيني وبين زوجتي وقلت في نفسي أنت طالق ولم انطق به وذهبت إلى الفتوى وقالوا لي إنه وقع قلت ما الدليل قالوا لي "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله".

    الجواب :

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله ومن والاه, وبعد /

    لا يقع الطلاق بمجرد حديث النفس ، ومن أفتاك بوقوعه فقد أخطأ ، بدليل ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : ( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم ) متفق عليه  ، واستدلال من أفتاك بالآية غير مسلم لأن معناها قد نسخ  بدليل ما روي عن أبي هريرة –رضي الله عنه - قال (لما نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير " ، قال فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم بركوا على الركب فقالوا أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها " ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله عز وجل " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " قال نعم ، " ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا " قال نعم ،"ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " قال نعم ، " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين " قال نعم) . أخرجه مسلم-رحمه الله –

    وعليك أخي الكريم بكثرة التوبة والاستغفار وذكر لله تعالى وبذلك يندفع عنك الوسواس .

    والله تعالى أعلم.

    التفاصيل
    0
    1291
  • هل يجوز الحلف بالطلاق على عدم فعل المعصية
  • الشيخ/ حفظه اللّه السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شخص يقع في كبائر الذنوب ويتوب منها ولكن يرجع لمقارفتها وفي بعض الأحيان يقسم على أن لا يعود ولكن يعود مما يضطره للكفارة فاستشارني حول ما إذا حلف بالطلاق على عدم العودة لأن لديه أطفال ويحب زوجته مما يدفعه للتمسك بالتوبة محافظة على أسرته فهل يفعل ذلك ؟ أرفع إليكم هذه الإستشارة عله يستفيد منها نفع الله بكم الإسلام والمسلمين .

    الجواب :

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله ومن والاه, وبعد /

    فلا أعرف دليلًا من القرآن ولا من السنة يرشد المسلم لللجوء إلى الحلف إذا خشي الوقوع في المعصية مهما كانت, ومعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما ترك خيرًا إلا دل الأمة عليه، كما لا أعرف من خلال قراءتي عن أن أحداً من سلف هذه الأمة أنه لجأ إليه ليمنعه من الوقوع فيها؛ وإنما ورد الندب عند التفكير في المعصية إلى استشعار عظمة الله وأنه رقيب على العبد ومطلع عليه، وإلى تخويف النفس من عقاب الله والطمع في ثوابه ؛ كما قال تعالى:" وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإن الجنة هي المأوي " ، وقال سبحانه: " ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ " ، وقال تعالى: " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ " لاحظ "ذكروا الله" ولم يقل ذكروا الحلف ونحوه.

    ولذا أنصح الأخ الكريم: بأن يحرص على تقوية إيمانه من خلال الإكثار من قراءة القرآن الكريم مع التدبر ، والحرص على أداء فرائض العبادات على وجه صحيح والاستزادة من النوافل, لاسيما الصلاة ليحفظه الله جل وعلا من كل إثم وشر وعلى رأس ذلك المعاصي يقول تعالى في كتابه الكريم: " اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ " ، ويقول في الحديث القدسي : ( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ) رواه البخاري –رحمه الله –

    وليحذر الأخ الكريم وغيره كل الحذر من جعل الحلف بالطلاق وسيلة لتحقيق المآرب مهما كانت, فإن رباط الزوجية رباط مقدس يجب على الزوجين المحافظة عليه بكل ما يستطيعون ، وليس من الدين ولا من العقل أن يجعل من هذا الرباط عرضة لصرمه عند أدنى مشكلة أو غلبة شهوة .

     أسأل الله أن يرزق الجميع توبة نصوحًا، وأن يوفقهم لما يحبه ويرضاه,  

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم .

    التفاصيل
    0
    902
منوع
  • الساعي على الأرملة والمسكين
  • أنا أقوم بمساعدة المساكين بإطعام الطعام وإنفاق المال عليهم بقدر ما أستطيع هل أصل إلى مرحله المجاهد في سبيل الله. أرجو التوضيح.

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:

    في الصحيحين وغيرهما  عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار).
    أنت على خير إن شاء الله والأجر يزيد وينقص بحسب نية الفاعل ومطابقة الفعل للسنة وما يحصل له من التعب والمشقة. وفقك الله وبارك في جهودك.

    التفاصيل
    0
    449
  • أولاد الزوج من المحارم؟
  • أمي زوجه مات يجوز تكشف على أولاد زوجه وهي بالعدة أم لا؟

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    نعم يجوز هم من محارمها كأولادها.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    485
  • هل هذا جائز؟
  • كان فيه أسرة محتاجة مرة وكان لا يوجد لهذه الأسرة مطبخ وحاولت هذه الأسرة جمع مال من أجل إتمام تأثيث مطبخ لهم لكن لم تستطع هذه الأسرة جمع المال وأنا أعرف هذه الأسرة جيدا وأعرف أنها لو تحاول جمع مال من أجل هذا المطبخ لمدة عشر سنوات لن تستطيع فاتصلت على أهل الخير والجود والعطاء من أجل مساعدة هذه الأسرة المحتاجة فوعدوني بالمساعدة وكان لدي مبلغ ادخرته من أجل إجراء عملية لابنتي فقلت في نفسي عملية ابنتي بقي لها أشهر و الأسرة المحتاجة في حاجة هذا المطبخ فقررت أن أعطيهم المبلغ الذي معي من أجل تأثيث المطبخ بسرعة لأنهم في أمس الحاجة وفي قرار نفسي سأسدد المبلغ الذي أعطيته للأسرة من المال الذي سيعطوني إياه المحتاجين بمعنى أن هذا المال الذي أعطيته للأسرة سيكون من أهل الخير وأسترجع أنا المبلغ الذي أعطيته للأسرة من فلوس أهل الخير فهل هذا جائز؟

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    نعم جائز ولك أجر.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    435
  • يأتي بطعام من مال فيه شبهة لأهله.
  • امرأة تسأل إذا المال الذي يأتي به زوجها والطعام الذي يحضره لأولادها فيه شبهة يعني محتمل يكون حرام هل تقبله؟ وجزاكم الله خيرا.

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    نعم تقبله ولا حرج عليها وإثمه على من أحضره فيما لو كان حراما.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    465
  • حكم أخذ مصحف من المسجد
  • السؤال: السلام عليكم لو سمحت يا شيخ بالدار بتحفيظ القران موزعين لنا قران والخط مش كبير, يمكن لأن فيه تفسير أحس إنه زحمة ما أقدر أستوعب للحفظ, المهم, رحت أمس جامع الراجحي وجلست أقرأ قرآن من عندهم وأعجبني الخط واضح جميل أو بالأصح كبير أحس أقدر أحفظ منه وأخذته معي للبيت يعني أخذته لي بس أهلي قالوا ما يجوز أن تأخذيه في ناس محتاجين أكثر ما أدري هل علي ذنب أو يجوز أو أرجعه ممكن تفيدني

    الجواب:

     وعليكم السلام ورحمة الله..

    الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله ، وبعد:

    المصاحف الموجودة في المساجد موقوفة عليها لا يجوز إخراجها من المساجد.

    التفاصيل
    0
    507
  • هل الصدقة على الطيور بالماء والأرز يعتبر صدقة
  • السؤال: - السلام عليكم : يا شيخ عندي سؤال : هل التبرع بالرسائل النصيه بمبلغ 10 ريالات تعتبر صدقة جاريه إذا نويتها ؟ وهل الصدقة على الطيور بالماء والأرز يعتبر صدقة ؟

    الجواب:

    - وعليكم السلام والرحمة ..

    الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله ، وبعد:

    نعم .. قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( في كل كبد رطبة أجر).

    وغفر الله لبغي بسبب سقيها كلب كما صح بذلك الحديث.

    التفاصيل
    0
    2443
الذبائح
  • حكم قص الشعر ولأظافر لعائلة المضحي.
  • الله يعافيك يا شيخ بقيت أستفسر عن حكم قص الشعر ولأظافر لعائلة المضحي.

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    الممنوع من قص الشعر مالك الأضحية فقط دون عائلته.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    1062
  • هل يجب عليها الأضحية؟
  • عمتي أرملة وتعيش في منزل وأبناءها في منزل هل يجب عليها الأضحية أم يكفي أن يضحي أبناءها ؟ ومعها ابنتها أيضا مطلقة.

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    إذا كان أبناؤها معها في المنزل فتكفي أضحيتهم وإن كانوا في بيت آخر فيستحب لها أن تضحي إن كانت قادرة على الأضحية.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    782
  • الأضحية على من؟
  • أنا بروح أحج وزوجي ما بيروح لظروف, هل أنا اللي أضحي أم هو أم كل واحد منا عليه أضحيه؟

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    الذي يضحي زوجك.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    743
  • حكم حلق شعر الأصابع واليد للمضحي
  • هل حلق شعر ظهور الأصابع واليد للمرأة يدخل في النهي للمضحي وفقك الله ؟

    الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

    حلق الشعر جميعه ممنوع على من أراد الأضحية إذا دخلت العشر أيا كان موقعه من الجسم.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    التفاصيل
    0
    843
  • هل يجوز أن يشترك اثنين في قيمة أضحية واحدة
  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد هل يجوز أن يشترك اثنين في قيمة أضحية واحدة؟

    الجواب: 

    وعليكم السلام ورحمة الله:

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه ومن والاه, أما بعد:

    لا يجوز الاشتراك في قيمة الأضحية وملكيتها ولكن يجوز التشريك في ثوابها كما ضحى النبي -صلى الله عليه وسلم- بكبش عنه وعن أهل بيته وبآخر عمن لم يضح من أمته؛ ذلك أن الواحدة من الغنم لا تجزىء إلا عن شخص واحد أما الإبل والبقر فتجرىء الواحدة منها عن سبعة أشخاص لكل شخص سبع ولا يشترك أكثر من شخص في قيمة وملكية السبع الواحد بل لكل سبع  شخصا منفردا.  والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم .

    التفاصيل
    0
    691
الاكثر قراءة
  • حكم من حلف كذبا خوفا من الضرر
  • الشيخ/ حفظه اللّه . السؤال: السلام عليكم ورحمه الله وبركاته . نود الاستفسار ياشيخ حياكم الله ، أنا موظف دولة وأعمل تحت رئيس لا يخاف الله فيما ائتمن عليه , كتزوير الفواتير وبعض المصاريف التى لم يجزها القانون عندنا هذا غير تصرفاته الغير أخلاقية مع السكرتيرة وما يترتب على هذه العلاقة من مصاريف وفواتير لإرضائها انتشر الأمر حتى حصل أن ابنه جاء مرة يسأل عن هذه العلاقة وكثيرا ما ورط من معه من مرؤسين فى العديد من التجاوزات ، والادارة العليا تعرف بعض التجاوزات وتغض النظر لعلاقاته ببعض مسئوليها وكذلك لعلاقاته مع مسئولين بالدولة ، عدمنا الوسيلة معه وقد جلست معه مع بعض الزملاء وتمت مصراحته بجميع سلوكياته حتى مجيء ابنه وسؤاله عن علاقته بالسكرتيرة ، وما زاده إلا ظلما تجاهنا فقمت بإرسال رسائل عبر الموبايل sms شارحا فيها عمليات الاختلاس والتجاوزات التى تحصل لأحد المسئولين بالإدارة والذى نسمع عنه الامانة والنزاهة علما بأننى استعملت شفرة موبايل من السوق السوداء حتى لا أعرف وأظلم . وقامت الدنيا على ما أرسل من معلومات للإدارة وجارى التفتيش وانتشر الخبر بين الزملاء وحصل الظن بأنني وآخرين ربما نكون الفاعلين منهم يرحب والمفسدين المستفيدين ينكرون ولأنني لا أضمن النتائج النهائية في اتخاد الإجراءات القانونية العادلة لما ذكر سابقا اضطررت إلى القسم بالله بصيغة والله العظيم لست الفاعل وأقسم بالله العظيم بأنني لست الفاعل وربما اضطر إلى القسم على المصحف لنفي ذلك.علما بأنني متأكد من صحة ما ذكرت والله وحده يعلم بذلك فجزاكم الله خيرا ماحكم الحلف والقسم الذي قسمت وحلفت به .

    التفاصيل ..
    0
    27329
  • معنى حديث عائشة رضي الله عنها مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ
  • السلام عليكم قرأت حديث عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أنه إذا خير بين أمرين اختار الأيسر ما لم يكن فيه إثم فهل هذا كلام صحيح؟ وكيف إذا خيرنا بين أمرين أحدهما يسير والآخر غير يسير أو بالمعنى الاختلاف فى الفتاوى كيف نعلم إذا اخترنا الأيسر أن ليس فيها إثم ما هو مقياس الإثم فى المقارنة بين الفتوى اليسيرة والغير يسيرة؟

    التفاصيل ..
    0
    2688
  • حكم التفريق بين الأم وولدها
  • السؤال: امرأة مطلقة تنازعت مع طليقها على ابن لهما عمره خمس سنوات وفي مجلس عُرف حكم للأب بحضانة الابن لأنه لا يريد أن يدفع له نفقة ، وعند أخذه صرخ الطفل فتركه أبوه وذهب ولم يطالب به بعد ذلك ، ثم حدثت مشاكل بين والد الأم الذي ينفق عليها هي وابنها وبين أبو الطفل ( وكان أبو الطفل ظالمًا لوالد الأم ) فقرر والد الأم أن يعطي الطفل لأبوه لأنه لا يستحق أن يربيه له ، وأم الطفل حزينة جدًا ، فهل والد الأم ظلمها ؟ علمًا بأن الأم ليس لها دخل أو مال خاص وهي مقيمة في بيت أبيها ، وهل هذا ظلمًا للطفل؟ علمًا بأن أبوه إذا طالبه أحد بنفقة قال ليس معي شيء وأريد ابني ،والأب شاب قادر على الكسب ولا يصلي وأخلاقه ذميمة جدًا ، أفتونا ، جزاكم الله خيرًا بالأدلة الشرعية ليطمئن القلب .

    التفاصيل ..
    0
    2473
الأكثر تحميلا
  • شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام
  •  

     


    شرح

    كتاب الصيام

    من

    زاد المستـــقنع

     

    للإمام الشيخ

    موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي

    - رحمه الله -

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    شرح فضيلة الشيخ

    أ.د. محمد بن عبدالله المحيميد

    - حفظه الله -

     


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

    هذا هو شرح كتاب الصيام من شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للعلامة موسى الحجاوي-رحمه الله-.

    (المتن)

    يقول-رحمه الله-: "كتاب الصيام".

    (الشرح)

     بدايةً نعرّف الصيام، "الصيام" لغةً: مجرد الإمساك، فمن أمسك عن الأكل وقال صائم، كذلك من أمسك عن الكتابة وقال صائم عن الكتابة، ومن أمسك عن الكلام وقال صائم عن الكلام، قال تبارك وتعالى حكايةً عن مريم-عليها السلام-: {إنّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْمًا فَلَنْ أُكَلّمَ الْيَوْمَ إنسيًّا}[مريم:26]، أي : نذرت إمساكًا عن الكلام.

    وفي الشرع عُرِّف بعدة تعريفات، لعل من أجودها تعريف من قال: "هو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس".

    (المتن)

    قال-رحمه الله-: "يجب صوم رمضان".

    (الشرح)

    حكم صيام رمضان:- صيام رمضان مفروضٌ بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو ركنٌ من أركان الإسلام، ومن أدلة فرضيتهمن القرآن: قول الله-تبارك وتعالى-:{يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا كُتبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتبَ عَلَى الَّذينَ منْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183]، ويقول-سبحانه-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذي أُنزلَ فيه الْقُرْءَانُ هُدًى للنَّاس وَبَيّنَاتٍ منَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان فَمَنْ شَهدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185].

    ومن السنة أحاديث كثيرة، لعل من أوضحها وأظهرها: قوله r: «بُني الإسلام على خمسٍ»([1])وذكر منها «صيام رمضان»، وأجمعت الأمة على فرضية صيام رمضان، ورمضان فُرض في السنة الثانية من الهجرة، وصام النبي rتسع رمضانات بإجماع الفقهاء.

    (المتن)

    يقول-رحمه الله-: "يجب صوم رمضان برؤية هلاله".

    (الشرح)

    صوم رمضان يجب بواحد من ثلاثة أسباب: اثنان محل إجماع والثالث محل خلاف:-

    السبب الأول: رؤية الهلال، فإذا رأى المسلمون الهلال وجب عليهم الصيام، قال-تبارك وتعالى-: {فَمَنْ شَهدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185]، وشُهود الشهر إنما يكون برؤية هلاله.

    أيضًا قول النبي r: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ »([2]).

    السبب الثاني: إتمام عدة شعبان ثلاثين يوما، وهذا-كما ذكرت آنفًا- مُجمعٌ عليه، فإذا تحقق دخول شعبان ومضى منه ثلاثون يومًا فإن ما بعد الثلاثين هو أول رمضان فيجب صومه ولولم يُرى هلال رمضان، ودليل هذا: ما أخرجه البخاري ومسلم-رحمهما الله تعالى-: عن عبد الله بن عمر-رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله rقال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً ، فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ »([3]).

    السبب الثالث من أسباب وجوب الصيام: وجود غيمٍ أو قترٍ في مطلعه ليلة الثلاثين من شعبان يحول دونه، وهذا السبب-كما ذكرت قبل قليل- هو محل خلاف وسيأتي الكلام عليه بعد قليل إن شاء الله.

    (المتن)

    قول المصنف: " فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين".

     

    (الشرح)

    وهذا واضح لعدم وجود سبب من الأسباب السابقة.

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-:

    " وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه ".

    (الشرح)

    إذا حال بين الناس وبين رؤية القمر غيمٌ أو سحب أو "قتر"- يعني: غبار- ولم يتمكن الناس من رؤيته تلك الليلة والأمر محتمل فقد يكون الهلال موجودا وقد يكون غير موجود، فعند الحنابلة- وهذا من مفردات المذهب خلافًا للجمهور- يقولون: "يجب صوم ذلك اليوم لاحتمال أن يكون الهلال قد هلّ ولم يره الناس فيصام ذلك اليوم احتياطًا للعبادة".

     كذلك يقولون: "تُشرع صلاة التراويح في تلك الليلة لئلا يكون الهلال قد هلّ وتفوت هذه الليلة من رمضان"، لكن مع هذا لا يرتبون على هذا الأمر بقية الأحكام المتعلقة –أو: المبنية على دخول الشهر-، لأنهم يعتقدون أن الشهرَ لم يدخل بعد بيقين، فلو أن شخصًا مثلًا اتفق مع شخصٍ على أن يسدده مثلًا حقه في أول يوم من رمضان فلا يلزمه بالسداد في ذلك اليوم لأنه حتى الآن لم يتحقق دخول رمضان، ولو أيضًا رجلًا علق طلاق زوجته على دخول رمضان مثلًا فأيضًا نقول: لا يقع الطلاق في ذلك اليوم لأنه حتى الآن لم يثبت دخول الشهر، وإنما يصومونه احتياطًا.

    ويستدل بأدلة، من أدلتهم حديث ابن عمر-رضي الله عنهما- السابق وهو في الصحيحين: أن النبي rقال: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ »([4])، والشاهد منه: قوله r«فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ »، فقوله: إذا قدرنا شعبان -يعني ضيقناه- وأصبح تسعا وعشرين ليلة أو يومًا، وبالتالي يجب أن يُصام ذلك اليوم، يكون ذلك اليوم ليس من شعبان وإنما من رمضان.

    أيضًا يستدلون:-  بما صح عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما- أنه كان يصوم ذلك اليوم([5]).

    وهذه المسألة محل خلاف، أعني: إذا كان هناك غيمٌ أو قتر ليلة الثلاثين: هل يجب صوم اليوم الذي يلي تلك الليلة أو لا يجب ؟ فالحنابلة يوجبون صيامه، بل لهم مؤلفات في هذا.

     والمسألة محل خلاف، فمن العلماء من قال: صيامه مستحب، ومنهم من قال: صيامه مباح، يعني: لا مستحبًا ولا مكروهًا ولا واجبًا ولا محرمًا، بمعنى يكون كسائر الأيام، ومنهم من قال: يُكره صيامه.

     لكن لعل أرجح الأقوال: "أن صيام ذلك اليوم محرم" لأدلة منها:-

    قوله r: «لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ»([6]).

     وأيضًا حديث ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما- أن النبي rقال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً ، فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ »([7]).

     وفي حديث آخر: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ »([8])وهذا من حديث أبي هريرة t، فقوله: «فأكملوا العدة ثلاثين» أو «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» هذا أمر، والأصل في الأمر: أنه يقتضي الوجوب، وبالتالي: لا يجوز للمسلمين صوم ذلك اليوم، لأنه من شعبان بنص هذا الحديث.

    وأيضًا من أدلة الجمهور القائلين بتحريم صيام ذلك اليوم:- ما روي عن عمار tأنه قال: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ r»([9]).

    ولا شك أن هذا هو يوم الشك لوجود الغيم والقتر في مطلع الهلال، وما روي عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما- من صيام ذلك اليوم: هذا اجتهاد منه t، كان يفعله احتياطًا لنفسه، ولم يكن يرى صيام ذلك اليوم واجبًا، ولا كان يعتقد أنه من رمضان بدليل أنه لم يؤثر عنه أنه كان يأمر أهله بالصيام ولا كان يأمر من حوله بصيام ذلك اليوم، ولو كان يعتقد بأنه من رمضان وأن صيامه واجب لأمر أهله ومن حوله بالصيام.

    لا شك أن الراجح في هذه المسألة: أن صيام ذلك اليوم محرم، وأنه على المسلمين إذا كانت تلك الليلة فيها غيمٌ وقتر: أن يكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا ثم بعد هذا يصومون.

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-:

     "وإن رؤي نهارا فهو لليلة المقبلة"

    (الشرح)

    المقصود بهذا: أنه لا أثر لرؤية الهلال في النهار، أما بالنسبة لليلة السابقة: فهذا ظاهر، وكذلك في الليلة القادمة أيضًا لا أثر لرؤيته في النهار، فلا يصوم الناس إلا إذا رأوه بعد غروب الشمس، إن رأوه صاموا في اليوم التالي، وإن لم يروه فلا يصومون، هذا ثبت عن عمر t.

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-: "وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم".

    (الشرح)

    المصنف يشير إلى مسألة مهمةٍ جدا وهي: هل يلزم -إذا رؤي الهلال في بلد من بلاد المسلمين- جميع المسلمين في مختلف أقطار الدنيا أن يصوموا أو فقط الصوم واجبٌ على من رآه وعلى أهل البلد الذين رؤي الهلال في بلدتهم ؟

    هذه المسألة محل خلاف، وما ذكره المصنف هو مذهب جمهور العلماء -الأحناف والمالكية والحنابلة-، يقولون: إذا رؤي الهلال في بلدٍ من البلدان-سواءً في شرق الكرة الأرضية أو في غربها- فإنه يجب على كافة المسلمين في جميع أقطار الدنيا أن يصوموا، واستدلوا على هذه بأدلة:-

     منها قوله-تبارك وتعالى-: {فَمَنْ شَهدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185]، قالوا: شهادة الشهر لا يمكن أن تكون من جميع الناس بل يصدق عليها أنها شهادة ولو من بعض الناس.

     وأيضا استدلوا: بقول النبي r: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ »([10])والخطاب في قوله: «صوموا لرؤيته» خطاب لجميع المسلمين.

    ولذا قالوا: إن في صيامهم لذلك اليوم جميعًا أقرب هذا إلى اتحاد المسلمين واجتماع كلمتهم، هذه من أبرز أدلتهم.

     وفي المسألة أقوال أُخرْ، والقول القوي جدًا في هذه المسألة: هو قول الشافعية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: أن الصيام لا يجب إلا على أهل البلد الذي رؤي فيه الهلال وكذلك أهل البلدان التي توافق ذلك البلد في مطلع القمر فقط، أما سائر بلدان المسلمين فلا يجب عليهم الصيام حتى يروه.

    واستدلوا بأدلة:-

    منها: أن مطالع القمر تختلف، وهذا باتفاق أهل الفلك، فإذا كانت تختلف المطالع فقد يطلع القمر عند قومٍ ولا يطلع عند آخرين.

    ومن أقوى أدلتهم: حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- "أن أم الفضل بنت الحارث-رضي الله عنها- بعثت كريبًا tإلى معاوية tبالشام، فقدم المدينة من الشام في آخر الشهر، فسأله ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- عن الهلال فقال كريب: رأيناه ليلة الجمعة، فقال ابن عباس-رضي الله عنهما-: لكنّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه، فقال كريبٌ t: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال ابن عباس-رضي الله عنهما-: لا، هكذا أمرنا رسول الله r"([11]).

     وهذا نصٌ صريح أن الرؤية تختلف، فهذا ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- لم يلتزم برؤية معاوية ولا بصيامه، مع أن معاوية tكان الخليفة في ذلك الزمن.

    أي هذه الأقوال أرجح ؟

    لا شك أن كلا القولين قوي جدًا، والترجيح في هذه المسألة صعب، لكن من تمسك بنص ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- فلا تسريب عليه إن شاء الله.

    (المتن)

    قال المصنف: "ويصام برؤية عدل (ولو أنثى)".

    (الشرح)

    المصنف-رحمه الله- بدأ الآن يبين شروط من تُقبل شهادته في رؤية الهلال، فقال: "برؤية عدلٍ" ولم يقل برؤية عدلين، وهذا يؤخذ منه أنه لا يشترط التعدد في الشهادة، وأنه يكفي شاهدٌ واحد، وهذا هو مذهب الحنابلة والشافعي. وهو الراجح إن شاء الله تعالى.

    ودليل هذا: ما روي عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما- قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي rأني رأيته فصام و أمر الناس بصيامه "([12]).

    وأيضًا من أدلتهم: حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء أعرابيّ إلى النبي rفقال: إني رأيت الهلال، فقال النبي r: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم، قال: «أتشهد أن محمّداً رسول الله؟» قال: نعم ، فقال النبي r: «يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا»([13])وهذا واضح الدلالة وصريح الدلالة على قبول شهادة الواحد في رؤية هلال رمضان.

    في المسألة قول آخر، قالوا: يُشترط في ثبوت دخول الشهر شهادة اثنين، واستدل أصحاب هذا القول:-

     بما روي عن عبدالرحمن بن زيد الخطاب عن أصحاب رسول الله rأن النبي rقال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلاَثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا »([14])، وهذا الشاهد: «فإن شهد شاهدان ذوا عدلٍ فصوموا وأفطروا» لكن تلك الأدلة أخص من هذا الدليل، وهذا يحمل على بقية الأشهر.

     

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-: "ويصام برؤية عدلٍ".

    (الشرح)

    إذًا المصنف نص على العدل، وهذا شرطٌ لقبول الشهادة على رأي المصنف، فلا تقبل شهادة الفاسق، والمقصود بالعدل: هو المستقيم، ويعرف الفقهاء: بأنه من لا يقترف كبيرة ولا يصر على صغيرة، وضده: الفاسق، قال-تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسقٌ بنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}[الحجرات:6]، لكن العدل بالوصف الذي ذكرناه (لا يقترف كبيرة ولا يصر على صغيرة) عزيزٌ لا سيما في هذا الزمن، ولكن المسألة إنما تكون بالتسديد والمقاربة، فإذا ارتضى القاضي أو الحاكم شهادة الشاهد بحيث لم يُعرف عنه كذب فتقبل شهادته في هذه الحالة، لقول الله تعالى: {ممَّنْ تَرْضَوْنَ منَ الشُّهَدَاء}[البقرة:282].

    وأيضًا: الله -جل وعلا- لم يأمرنا برد شهادة الفاسق، فقط أمرنا بالتبين، كما مر معنا في قوله-سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسقٌ بنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}[الحجرات:6]، ولم يقل: ردوها، فإذا ارتضى القاضي أو الحاكم شهادة الشاهد -وإن كان عليه بعض مظاهر الفسق- إذا ارتضى شهادته حيث لم يعرف عنه كذب وعرف عنه غيرته على الإسلام وحرصه على ما يتعلق بمصالح الأمة فإنها تُقبل شهادته ولا ترد.

    قول المصنف-رحمه الله-: "ولو أنثى" يعني: أن الأنثى تقبل شهادتها، وأنه لا يشترط أن يكون الشاهد ذكرا، وهذا هو مذهب الحنابلة، وحجة الحنابلة في هذا: أن هذا خبر ديني يستوي فيه الرجال والنساء، كسائر الأخبار الدينية، كما تقبل شهادة المرأة في رواية الحديث وكذلك في مواقيت الصلاة فينبغي أن يقبل خبرها في رؤية الهلال.

    وأيضًا المصنف يُفهم من قوله "ويُصام برؤية عدلٍ ولو (أنثى)" دون تفصيل: أن شهادة الرقيق تقبل في هذا، وهذا هو الراجح في المسألة خلافًا للشافعية، لما ذكرنا أن هذا خبر ديني فتقبل فيه شهادة الرقيق كما تقبل فيه شهادة الحر.

    للقاعدة: أن ما ثبت في حق الأحرار من الأحكام البدنية المحضة فإنه يثبت في حق الأرقة إلا بدليلٍ يفرق، كذلك هناك قاعدة: أن ما ثبت في حق الرجال أيضًا يثبت في حق النساء إلا بدليلٍ يفرق.

    فمما سبق: يؤخذ أن شهادة الواحد مقبولة، وأن شهادة المرأة مقبولة، وأن شهادة الرقيق مقبولة في ثبوت رؤية الهلال.

    عندنا مسألة قبل تجاوز هذا الموضوع:- وهي مسألة خروج الشهر (انتهاء شهر رمضان ودخول شهر شوال):-

     العلماء مجمعون-رحمهم الله- على أن رؤية شهر شوال- وكذلك غيره من الشهور مما سوى رمضان- لا تثبت إلا بشهادة رجلين ولا يكتفى بالواحد، ودليل هذا ما مر معنا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب-رضي الله تعالى عنهم- الذي جاء فيه: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلاَثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا »، «فإن شهاد شاهدان ذوا عدلٌ فصوموا وأفطروا»([15])

    وهذه المسألة حكى بعض العلماء الإجماع فيها، فلا نقف عندها طويلًا، فالمقصود: أن دخول شوال وكذلك سائر الأشهر مما سوى رمضان لا يثبت إلا برؤية شاهدين.

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-: "فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما ولم ير الهلال أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا"

    (الشرح)

    هنا مسألتان:-

    الأولى: إذا صاموا بشهادة شخصٍ واحد، ثلاثين يومًا ولم ير الهلال: هل يفطر الناس ؟ إن كان هلال رمضان ثبت برؤية شاهدين فلا خلاف بين العلماء: أن الناس يفطرون إذا أمضوا ثلاثين يومًا ولم يُر الهلال، لكن الإشكال فيما إذا كان الشهر ثبت برؤية شخص واحد، ومر معنا قبل قليل أن دخول رمضان يثبت بشهادة شاهدٍ واحد ولو امرأة ولو رقيق، فإذا ثبت الشهر برؤية واحد ومضى ثلاثون يومًا ولم يُر هلال شوال: فهل يُفطر الناس أو لا يُفطرون ؟ المسألة محل خلاف.

    المصنف-كما سمعنا- يقول: لا يفطرون، بل ينتظرون حتى يروا الهلال، وهذا هو مذهب الحنابلة،  قالوا: لا يثبت خروج الشهر إلا بشهادة رجلين، وهذا الصوم مبني على شهادة رجل واحد، فهو مبني على سبب لا يثبت به خروج الشهر، فلو أفطروا لكانوا قد بنوا على شهادة واحد وهو الذي شهد بإدخال الشهر، وهذا لا يقبل في الفطر.

    القول الثاني ولعله الراجح: أنهم إذا أتموا ثلاثين يومًا بعد تلك الرؤية فإنه يلزمهم الفطر، وهذا مذهب الشافعية، وحجتهم قالوا: إن الفطر تابعٌ للصوم ومبني عليه، والصوم ثبت بدليلٍ شرعي معتبر، وقد صاموا ثلاثين يومًا ولا يمكن أن يزيد الشهر عن ثلاثين يوما، وأيضًا فإن فطرهم في هذا إنما يثبت تبعًا وليس استقلالًا، ويقل العلماء: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالا.

    قال المصنف-رحمه الله- وهي المسألة الثانية: "أو صاموا لأجل غيمٍ لم يفطروا" هذه المسألة لا ترد إلا عند الحنابلة، هم الذين يقولون: إذا كانت ليلة الثلاثين فيها غيمٌ أو قتر فإنه يجب على الناس صيام اليوم الذي يليها، فلا ترد هذه المسألة إلا عندهم، ومع هذا إذا صاموا بناءً على ذلك فيقولون: لا يفطر الناس ولو أمضوا ثلاثين يومًا، لأن دخول الشهر في تلك الحالة مشكوكٌ فيه، فينتظرون حتى يروا هلال شوال، لأن صيامهم في أول الأمر احتياطًا فيقولون: كما احتطنا لدخول الشهر فأيضًا نحتاط لخروجه.

    (المتن)

    قال المصنف-رحمه الله-: "ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله أو رأى هلال شوال صام".

    (الشرح)

    يعني في المسألتين:-

    المسألة الأولى: إذا رأى شخصٌ هلال رمضان وحده: ردت شهادته ولم تقبلها المحكمة بأي سبب من الأسباب، فهل يلزمه الصوم لوحده أو يكون مع الناس ؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:-

    القول الأول: أنه يجب عليه أن يصوم وحده، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة-رحمهم الله-، واستدلوا بأدلة: منها قوله تعالى:{فَمَنْ شَهدَ منْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185]، وقالوا: هذا شهد الشهر فيلزمه الصوم، وكذلك قول النبي r: «صوموا لرؤيته » وهذا قدر رآه فيلزمه الصوم.

    والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن أحمد-رحمه الله- واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: أنه لا يجب عليه الصوم، بل يظل مفطرًا فلا يصوم إلا مع الناس، واستدل أصحاب هذا القول: بقول النبي r: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون»، وفي رواية: «صومكم يوم تصومون وأضحاكم يوم تضحون»([16]).

    وقالوا: إن المعتبر هو ما عليه جماعة المسلمين، فإذا لم يعتبر عندهم هذا اليوم من رمضان فهو من شعبان، فلا يصح أن يصوم هذا الشخص يومًا هو من شعبان.

    ولا شك أن هذا هو الراجح، وإن كان الأول فيه احتياط، لكن على أي حال: من أراد أن يأخذ بالقول الأول ويصوم فينبغي له أن يصوم سرًا حتى لا يحصل له منازعة من سائر الناس الذين لم يصوموا ذلك اليوم.

    المسألة الثانية: إذا رأى شخص هلال شوال وحده وردت شهادته: فهل يفطر ويُعَيّد أو ينتظر حتى يفطر الناس ؟

    المسألة-أيضًا- محل خلاف بين العلماء كالمسألة السابقة، على قولين:-

    القول الأول: أنه لا يجوز له الفطر ويلزمه الصوم، وهذا مذهب جمهور العلماء ومنهم الحنابلة، وأيضًا اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-، واستدلوا بالحديث السابق الذي مر معنا: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون»، وأيضًا استدلوا بما مر معنا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب-رضي الله عنه- وفيه: «فإن شهد شاهدان ذوا عدلٍ فصوموا وأفطروا» وقالوا: هنا لم يره إلا شخص واحد فلا يصح أن يُفطر.

    القول الثاني في المسألة: أنه لا يلزمه الصوم ويجوز له الفطر، و هذا قول للشافعية، وهو قول ابن حزم-رحمه الله- وقولٌ لبعض المتأخرين، واستدلوا بما مر معنا من قول النبي r: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا» وقالوا: هذا رأى الهلال فينبغي له أن يفطر.

    لكن بلا شك أن الراجح هو قول جمهور العلماء في هذه المسألة: أنه يجب عليه أن يصوم ولا يفطر، لأنه ربما لم ير الهلال حقيقةً وإنما توهم في ذلك، فلا يصوم ولا يخالف الناس.

    هنا مسألة تتعلق بهذه قبل أن نتجاوزها: لو صام شخصٌ برؤية بلد ثم سافر لبلد آخر قد صاموا بعد ذلك البلد بيومٍ وأتم هو ثلاثين يوما ولم يُر الهلال، يعني: صيامه قبل الناس، ولم يُر الهلال في تلك البلد التي وصل إليها، فهل يُفطر على اعتبار أنه تم ثلاثين يومًا وإلا ينتظر حتى يُفطر أهل البلد الذي هو فيه ؟

    المسألة محل خلاف، والصحيح من أقوال العلماء: أنه يصوم مع الناس ولا يفطر، يبقى مع الناس ولو صام واحدا وثلاثين يوما، لما مر معنا من قول النبي r: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون»، فعلق الحكم على جماعة المسلمين.

     وأيضًا في حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- الذي مر معنا: حيث لم يأخذ ابن العباس برؤية معاوية، ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- لم يأمر كريبًا أن يفطر على اعتبار أنه صام مع أهل الشام ثلاثين يومًا، بل أمره أن يأخذ برؤية أهل المدينة ويصوم معهم.

    وهذه المسألة تقاس قياسًا جليًا على مسألة ما لو أن الشخص أمسك في بلد وسافر باتجاه الغرب فسيطول عليه النهار فيفطر أهل بلده قبل فطره: فلا يفطر حتى تغرب عليه الشمس مهما كان الأمر، فكذلك في هذه المسألة نقول: من صام في بلده فلا يفطر إلا مع البلد الذي وصل إليه.

    (المتن)

    ثم قال-رحمه الله-: "ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر".

    (الشرح)

    المصنف-رحمه الله- بدأ في ذكر شروط من يجب عليه الصيام، وذكر المصنف أربعة شروط: الإسلام والعقل والبلوغ والقدرة.

     أخذنا شرطي (العقل والبلوغ) من قول المصنف: "مكلف"، إذ "المكلف" عند الفقهاء: هو العاقل البالغ، وهذه الشروط محل إجماع بين العلماء، فالكافر لا يصح منه الصيام ولا يجب عليه، ومعنى قولنا: (لا يجب عليه) بمعنى: لو طالبوه في حال كفره وإذا أسلم لا يؤمر بقضائه.

    والدليل على أن الصيام لا يصح من الكافر وكذلك سائر العبادات: قول الله-تبارك وتعالى-: {وَقَدمْنَا إلَى مَا عَملُوا منْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}[الفرقان:23]، الكافر مطالب أولًا بالإسلام، لقول النبي rلمعاذ tحين بعثه إلى اليمن: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ »([17])، فالعبادات لا تأتي إلا بعد الإسلام.

    والشرط الثاني والثالث وأعني (العقل والبلوغ) دليله: حديث عليّ t: أن النبي rقال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ : عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ »([18]).

    الشرط الرابع والأخير: أن يكون الشخص قادرًا، وهذا محل إجماع بين العلماء، فلا يجب الصيام على غير القادر، لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16]، وقوله-تبارك وتعالى-: {لا يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا}[البقرة:286]، وأيضًا قول النبيr: «إذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ »([19]).

    و"غير القادر" له حالتان:-

    الأولى: أن لا يستطيع في الوقت ويستطيع بعد الوقت، يعني لا يستطيع في رمضان، لكن ممكن أن يستطيع بعد رمضان، كالمريض الذي يرجى برؤه، فهذا يُفطر في رمضان، لكن يجب عليه القضاء إذا استطاع بعد رمضان.

    الحالة الثانية: أن لا يستطيع لا في رمضان ولا بعد رمضان، كالمريض الذي لا يرجى برؤه، فهذا يُفطر وعليه الإطعام، كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.

    (المتن)

    ثم قال المصنف-رحمه الله-: "وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلا لوجوبه".

    (الشرح)

    المصنف هنا يشير إلى مسألتين:-

    المسألة الأولى: إذا قامت البينة في أثناء النهار، بمعنى: شخص أو أهل بلد لم يعلموا أن هذا اليوم من رمضان إلا في وقتٍ متأخر في أثناء اليوم من نصف النهار أو بعد العصر أو نحو ذلك، فماذا عليهم ؟

     أما وجوب الإمساك: فمحل إجماع بين العلماء، بمعنى: يجب عليهم أن يمسكوا عن المفطرات بعد علمهم أن هذا اليوم من رمضان، ودليل هذا:-

     قوله-تبارك وتعالى-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16]، وهذا يستطيع أن يتقي الله في باقي اليوم بامتثال الأمر.

    وأيضًا: ما صح عن سلمة بن الأكوع t: «أن النبي rأرسل إلى قومٍ أكلوا أول اليوم من عاشوراء أن أمسكوا وأتموا الصيام»([20])مع أنهم أكلوا أول اليوم، بنص الحديث: أمرهم أن يمسكوا بقية اليوم.

    وأما هل يجب عليهم القضاء ؟ فالمسألة فيها خلاف:-

    القول الأول: أنه يجب عليهم القضاء، أي قضاء ذلك اليوم، وهذا مذهب جمهور العلماء، قالوا: لأنه لم يصم يومًا كاملا، وأيضًا لم يبيت النية من الليل إلى الصيام.

    القول الثاني: أنه لا يجب على أولئك أن يقضوا هذا اليوم، يكتفوا بما أمسكوا منه، ولهذا ذهب بعض العلماء ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-، واستدلوا بأدلة: من أهمها: أن الذين أكلوا أول اليوم في عاشوراء وأمرهم النبي rبالإمساك بقية اليوم لم يأمرهم النبي rأن يقضوا ذلك اليوم، ولو كان أمرهم لنقل، فلما لم يُنقل عُلم أنه لم يأمرهم rبذلك،

    وأيضا: الإنسان لا يُكلف بشيء لم يعلمه، وهؤلاء كانوا في أول اليوم لم يعلموا أنه من رمضان.

    على أي حال: هذه المسألة في هذا الزمن هي نادرة الوقوع، حيث توفرت وسائل الاتصال ومعرفة دخول الشهر، ولله الحمد والمنة.

    المسألة الثانية: من صار أهلًا للوجوب في أثناء النهار، فهل يجب أن يمسك وأن يقضي؟ فإذا بلغ الصبي في أثناء اليوم أو أسلم الكافر أو أفاق المجنون، فما الحكم ؟ المسألة محل خلاف:-

    القول الأول: أنه يجب عليه الإمساك بقية اليوم وأيضًا القضاء، وهذا ما قرّره المصنف-رحمه الله- والمشهور من مذهب الإمام أحمد-رحمه الله- وهو قول أبي حنيفة، واستدلوا بالأدلة السابقة كما في حديث عاشوراء.

    القول الثاني: أنه يجب عليهم الإمساك دون القضاء، وهذا هو مذهب مالك-رحمه الله- ورواية عن أحمد ورجّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-، قالوا: يجب عليهم الإمساك دون القضاء، واستدلوا بحديث عاشوراء: «أن النبي rأمر أولئك أن يسمكوا بقية اليوم»ولم يأمرهم بقضائه رغم أنهم أفطروا في بداية اليوم، وهذا لا شك أنه كالنص الصريح، وعاشوراء في بداية الأمر كان صيامه واجبًا على المسلمين قبل أن يُشرع صيام رمضان.

    (المتن)

    قال المصنف: "وكذا حائض ونفساء طهرتا ومسافر قدم مفطرا".

    (الشرح)

    هؤلاء الثلاثة: الحائض إذا طُهرت والنفساء إذا طهرت والمسافر إذا قدم، يُضاف إليهم شخصٌ رابع وهو (المريض إذا شُفي)، هؤلاء على رأي المصنف يأخذون الحكم السابق: وهو جوب القضاء وأيضًا وجوب الإمساك.

     أما وجوب القضاء على هؤلاء فهو محل إجماع، لقوله-تبارك وتعالى-: {وَمَنْ كَانَ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:185]، فلا شك أن هؤلاء يجب عليهم القضاء، لكن هل يجب عليهم الإمساك بقية اليوم ؟ المسألة محل خلاف:-

     بعض العلماء وهو رأي المصنف-رحمه الله- وهو المذهب: أنه يجب عليهم أن يمسكوا بقية هذا اليوم، لأن فطرهم كان لعذر وقد زال العذر، والحكم يدور مع علته وجودًا و عدمًا، فإذا زال العذر يجب عليهم الإمساك.

    القول الثاني: لا يجب عليهم الإمساك، ما داموا أفطروا في أول النهار، وهذا اليوم لن ينفعهم فالقضاء متحتمٌ عليهم، فيجوز لهم أن يفطروا بقية النهار، وهذا القول مرويٌ عن الإمام أحمد-رحمه الله- ولعله الراجح، ودليله: ما روي عن ابن مسعود tأنه قال: "من أكل في أول النهار فليأكل في آخره"([21]).

    (المتن)

    قال المصنف بعد هذا: "ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينا".

     

    (الشرح)

    المصنف يبين لنا أنه يجوز للكبير والمريض مرضًا لا يُرجى برؤه: أن يُفطر ولا يصوم في رمضان، لكن ماذا عليه ؟ قال المصنف: عليه أن يطعم لكل يومٍ مسكينا، وهذا لا شك أنه محل إجماع، أعني مشروعية الإفطار لهم،  وعدم الصيام.

     لكن هل يجب عليهم الإطعام ؟

    المسألة محل خلاف:-

    القول الأول: أنه يجب عليهم الإطعام، وهو مذهب جمهور علماء الأحناف والشافعية والحنابلة، ودليلهم: ما صح عن ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- في تفسير قول الله-تبارك وتعالى-: {وَعَلَى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فدْيَةٌ طَعَامُ مسْكينٍ}[البقرة:184]قال: الشيخ والشيخة يُفطرون ويُطعمون([22]).

    القول الثاني للإمام مالك-رحمه الله-: أنهم يُفطرون ولا شيء عليهم، لكن هذا ولا شك أنه قولٌ ضعيف ولا دليل عليه، وقول ابن عباس حجةٌ عليه.

    ثم قال-رحمه الله-: "أطعم لكل يومٍ مسكينا" ولم يبين-رحمه الله- القدر المجزي في الإطعام، وهذه المسألة محل خلاف:-

    القول الأول: أن الواجب أن يطعم عن كل يوم مد من البر، وهذا القول لبعض العلماء، وهذا مذهب الحنابلة.

    القول الثاني: أن الواجب نصف صاعٍ من أي طعام كان.

    القول الثالث: الواجب مد من أي طعام كان.

    لكن لعل القول الراجح في هذه المسألة: أنه لا حد ولا قدر لما يطعمه الإنسان، حيث وردت الآية مطلقة دون تحديد، والقاعدة: "أن ما أتى في الشرع ولم يحدد، المرجوع في تحديده إلى العرف"، ولعل هذه الآية تحددها آية كفارة الأيمان حين قال-تبارك وتعالى-: {منْ أَوْسَط مَا تُطْعمُونَ أَهْليكُمْ}[المائدة:89]، فمثل هذا يُطعم من وسط ما يُطعم أهله، فيصنع طعامًا في نهاية الشهر ويُطعم الفقراء منه، فإن كان الشهر ثلاثين يومًا أطعم ثلاثين مسكينا، وإن كان الشهر تسعا وعشرين يومًا أطعم تسعًا وعشرين مسكينا مما يُطعم أهله.

     

    (المتن)

    قال المصنف: " ويسن لمريض يضره".

    (الشرح)

    الفطر من أجل المرض هو محل إجماع بين العلماء، بنص قول الله-تبارك وتعالى-: {وَمَنْ كَانَ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:185]، والمصنف-رحمه الله- لم يفصل، قال: "ويسن لمريض يضره" والمريض له أحوال:-

    الحالة الأولى: أن لا يتأثر بالصوم، مثل الذي عنده مرض يسير، كنحو زكام يسير أو جرح أو نحوه، هذا لا يصوغ له الفطر.

    الحالة الثانية: إذا كان الصيام يشق عليه ولا يضره، فهذا يُكره له أن يصوم، ويُسن له أن يفطر.

    الحالة الثالثة: إذا كان الصوم يشق على الإنسان وأيضًا يترتب عليه ضرر، كالمريض مرض السكر أو مرض كلى ونحو ذلك، الصيام يضره في هذه الحالة، فما الحكم ؟ هنا لا شك أنه يحرم عليه أن يصوم، لقول الله-تبارك وتعالى-: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بكُمْ رَحيمًا}[النساء:29]، فلا يجوز للمسلم أن يعرض نفسه للهلاك، يأثم إذا صام في هذه الحالة.

    مسألة: هل يجوز للصحيح الذي لم يمرض أن يُفطر إذا خشي أنه لو صام مرض ؟ الجواب: نعم، لأن هذا بمعنى زيادة المرض بل هو أبلغ منه.

     

     (المتن)

    يقول-رحمه الله-: "ولمسافر (يقصر)".

    (الشرح)

    هذا معطوف على قوله "ويسن لمريض يضره ولمسافر يقصر"، يعني: ويسن الفطر لمريض يضره كما يسن الفطر لمسافر يقصر الصلاة.

    أولًا: الفطر لمسافر جائز بإجماع أهل العلم، قال-تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا كُتبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتبَ عَلَى الَّذينَ منْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}،{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ منْكُمْ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:184].

    وهل يجوز للمسافر أن يصوم في حال سفره ؟ الله تعالى يقول: {فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:184]، نعم الصيام له جائز بما ثبت عن النبي r: «أنه كان يصوم وهو مسافر»([23]).

    والمسافر له مع الصيام ثلاث حالات:-

    الحالة الأولى:أن لا يكون لصومه مزية على فطره، بمعنى: الأمر سيان صام أو أفطر ولا مشقة عليه ولا كلفة.

     وهذه الحالة اختلف العلماء فيها: هل أفضل للمسافر هنا أن يصوم أو أن يفطر ؟ اختلف العلماء في هذا على قولين:-

    القول الأول: أن الصيام أفضل، وهذا مذهب جمهور العلماء الأحناف والمالكية والشافعية، واستدلوا بأن هذا فعل النبي r، قال أبو الدرداء t: «كنا مع النبي rفي رمضان في يومٍ شديد الحر حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله rوعبد الله بن رواحة t».([24])

    والصوم لا يشق على الرسول rهنا، لأنه rكعادته لا يفعل إلا الأرفق والأفضل.

    وأيضًا من أدلتهم: أن الصوم في حال السفر أسرع في إبراء الذمة، فإن القضاء يتأخر وقد لا يتمكن الإنسان من القضاء لاحقًا، وأيضًا هو أسهل على المكلف غالبًا حين يصوم مع الناس، وأيضًا إذا صام في رمضان وهو مسافر فإنه يدرك الزمن الفاضل -زمن رمضان-.

    القول الثاني: أن الفطر أفضل من الصيام، وهذا ما قرره المصنف وهو مذهب الحنابلة، واستدلوا بأدلة عامة: منها حديث جابر tأن النبي rقال: «ليس من البر الصيام في السفر».([25])، لكن هذا يُحمل على ما إذا كان في الصيام مشقة على المسافر.

    والقول بأن "الصيام أفضل في حالة استواء الأمرين، أعني: الصيام أو الفطر" فيه جمع بين الأحاديث الواردة في الباب.

    الحالة الثانية:أن يكون الفطر أرفق بالمسافر، يستطع أن يصوم لكن الفطر أرفق به، في هذه الحالة لا شك أن الفطر أفضل، لأنه هو الرخصة، "والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته"، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح.

    الحالة الثالثة: أن يشق الصيام على المسافر مشقةً شديدة غير محتملة، فهنا يكون الصوم في حقه محرم، ودليل هذا:-

     حديث جابر t: «أنّ رَسُولَ اللَّه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ- خَرَجَ عَامَ الْفَتْح إلَى مَكَّةَ في رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَميم فَصَامَ النَّاسُ ، ثُمَّ دَعَا بقَدَحٍ منْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إلَيْه ، ثُمَّ شَربَ فَقيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلكَ : إنَّ بَعْضَ النَّاس قَدْ صَامَ ، فَقَالَ r:  أُولَئكَ الْعُصَاةُ أُولَئكَ الْعُصَاةُ ».([26])، فوصفهم النبي rبالعصاة لأنهم لم يتمثلوا للأمر ولم يقتدوا به في إفطاره rحيث يشق الصيام على الناس في ذلك الوقت أو في تلك الحالة.

    (المتن)

    ثم قال المصنف-رحمه الله-: "وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر".

    (الشرح)

    وهذه المسألة محل خلاف:-

    القول الأول: من شرع في الصيام ثم سافر فله الفطر، هذا هو المذهب عند الحنابلة ، واستدلوا: بما ثبت عن أ صحاب النبي rأنهم كان يصنعون ذلك، كان أحدهم ينوي الصيام ثم يسافر في نفس اليوم ثم يُفطر في طريقه.

    والقول الثاني: وهو مذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة-رحمهم الله- قالوا: من شرع في الصيام ثم سافر فلا يجوز له الفطر، قالوا: لأن في إفطاره إبطالٌ لهذه العبادة، وإبطال العبادة بعد الشروع بها لا ينبغي.

    لكن الراجح في هذه المسألة هو القول الأول، لفعل الصحابة-رضي الله تعالى عنهم-، وأيضًا فإن الله جل وعلا رخّص للمسافر أن يفطر دون تفصيل، كما قال-سبحانه-: {فَمَنْ كَانَ منْكُمْ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ}[البقرة:184]، ولم يرد تفصيل هل إذا صام في أول النهار ثم سافر هل يشرع له الفطر أو أن هذه المشروعية خاصة بمن لم يصم في أول النهار، فعدم التفصيل يدل على أن  هذا الأمر جائز.

    (المتن)

    ثم قال-رحمه الله-: "وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفا على أنفسهما قضتاه فقط".

    (الشرح)

    وقول المصنف-رحمه الله- أنه يجوز للحامل والمرضع أنت تفطر، ولم يفصل المصنف-رحمه الله-: يعني هذا أن الحامل والمرضع تفطر سواءً كان في ذلك مشقة عليها أو لا أو مشقة على طفلها أو لا، الأمر متاحٌ لها ما دامت بهذا الوضع.

    وفطر الحامل والمرضع جائزٌ بإجماع العلماء، ودليله: حديث أنس بن مالك tقال: قال رسول الله r: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع الصوم»([27]).

    وإفطار هذه له ثلاث حالات:-

    الحالة الأولى: أن يكون الفطر مراعاةً لحالهما.

    الحالة الثانية: أن يكون الفطر مراعاةً لحال الولد، الحمل في البطن أو الذي يرضع حتى لا يحصل عليه قصور في الرضاعة.

    الحالة الثالثة: أن يكون الفطر مراعاة لحالهما وحال الولد.

    أما بالنسبة للحالة الأولى والحالة الثالثة -أعني إذا كان الفطر مراعاةً لحالهما و الحالة الثالثة إذا كان الفطر مراعاة لحالهما وحال الولد-: فهذا بلا إشكال لهم الفطر بإجماع العلماء، وعليهما القضاء ولا إطعام عليهما.

    بقي الحالة الثانية (وهي ما إذا كان الفطر مراعاةً لحال الولد)، قال المصنف-رحمه الله- وبيّن لهذا النوع: "وعلى ولديهما قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينا".

    إذًا المصنف يقرر هنا: أن الحامل والمرضع إذا أفطرت من أجل مصلحة الولد فقط فإنه يجب عليها مع القضاء أن تطعم عن كل يومٍ مسكينا، وهذه المسألة محل خلاف بين العلماء:-

    التفاصيل ..
    0
    422
  • حكم الحلف عل المصحف كذبا
  • أنا حلفت على القران الكريم كذبا أني لم أفعل شيئا وفعلته ولو لم أحلف لكانت مشكلة كبيرة جدا بيني وبين شخص, أفيدوني جزاكم الله خيرا.

    التفاصيل ..
    0
    327
  • حكم وقوع النجاسة في مكان ما.
  • السلام عليكم سؤالي هو أن أخي يُعاني من وساوس من سنوات نصحته بما يكفي ولم أستطع إقناعه وأنا لا أريد أن أفتح مجال الأسئلة وخصوصاً لشخص موسوس ولكن مادفعني للسؤال هو أنني أفتيته بالجواز عن سؤال سألني إياه وهو أنه قد أصاب ملابسه ( السروال ) بول من الخارج وليس من الداخل ثم نام في فراشه بهذا السروال ويقول هل تنجّس فراشي وبطانيتي ولحافي وو .. مع العلم أنه نام في غرفةٍ وجوٍ حااااار وهو يتصبب عرقاً وكان جوابي له أنه لا يضرك وأن فراشك وبطانيتك كلها طاهرة فأنا قد أفتيته ولا أعلم هل فتواي صحيحة أو لا ؟ والله الموفق وأسأل الله له الشفاء.

    التفاصيل ..
    0
    174